ودليل المعنى الثالث قول الله: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف:76) . أى في نظام الملك كما ورد في قصة يوسف.
وهذه هي الجوانب الثلاثة لمصطلح الدين التي سيقوم التحليل على أساسها.
المعنى الأول
الجزاء:
والدين بمعنى الجزاء هو الشاهد من الاستدلال بمصطلح الدين لأن الجزاء يكون مطابقًا تمام التطابق لطبيعة العمل , ومن هنا كان التطابق في الجزاء مع طبيعة العمل هو أساس التحليل السلوكي للإنسان فيمكننا بذلك إدراك طبيعة العمل من تحليل الجزاء.
وبذلك أصبح الجزاء من أهم كواشف النفس البشرية؛ والعمل عندما يصدر عن النفس فإنه يكشف بدوره نفسية صاحب العمل ودوافعه.
و توضيح حقيقة التجانس المقصود؛ في قول الله عز وجل: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} (الرحمن:60) ، لا يدل على مجرد التجانس في الإحسان بصفة عامة، بل يدل على طبيعة وتفصيل وتفسير العمل الذي هو موضوع الجزاء، ويدل أيضًا على مقدار ومدى ما يستحقه صاحب هذا العمل من وجوه وأشكال الجزاء المناسب والمطابق لطبيعة هذا العمل.
و أهم امثله الأدلة القاطعة على صواب اعتبار الجزاء مصدر تحليل للسلوك الإنساني هو مسخ بني إسرائيل قردة وخنازير. بعد إعتدائهم في السبت (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة: 65) .
فالتجانس بين الجزاء والعمل جاء بصورة مطلقة لا مثيل لها , فالذين اصطادوا يوم السبت أصبحوا قرده و خنازير.
ومن أمثله التجانس بين العمل و الجزاء هو ما كان من السامرى
حيث كان الغرض النفسي من صناعته العجل لبني اسرائيل. هو أن يجتمع الناس حوله و يعظمونه وينبهرون به.
فكان جزاءه أن يصاب بمرض جلدى مقزز جعل الناس يشمئزون منه وينفرون عنه وأصبح هو نفسه لا يتحمل أى مس له من أى أحد حتي بلغ الامر أن يقول بنفسه للناس .. لا مساس.
(قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) (سورة طه: 97) .
يقول هو بنفسه لانه هو الذي حاول بنفسه أن يلتف الناس حوله.
ومن أمثله التجانس بين السلوك و الجزاء ...
هو قول الله سبحانه وتعالي (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (سورة التوبة: 35) .
و التجانس جاء من قول الله فتكوى بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم
لان المال إستعلاء نفسي ودلالته هي الارتفاع بالجبهه .. ولذلك قال جباههم
لأن الفعل كان اختيار للحرام وترك الطيب من الطعام و الخنزير هو الحيوان الذي يختار الطعام الخبيث (الانتقاء المقلوب) كما كان في الفعل تقليد من بعضهم لأصحاب الاختيار الحرام والقرده هي الحيوان المُقلد.
و لأن إطمئنان نفسي ودلالته الرقود و الاستلقاء ولذلك قال وجنوبهم
و لأن والمال سند نفسي بدلالته الظهر الذي يعبر عنه بالسند فالذي له ظهر يعني له سند ولذلك قال و ظهورهم ..