وأما ما يقع في كلام بعض العلماء: أن الطرق إلى الله متعددة ومتنوعة، جعلها الله كذلك، لتنوع الاستعدادات، واختلافها رحمة منه وفضل، فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق، وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق هي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله. وما يرضيه متعدد متنوع فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق مرضاته.
فهذه التي جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة ومتنوعة جدًا، لاختلاف الاستعدادات وضعفها، ولم يسلكها إلا واحد، ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امرئ إلى ربه طريقًا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله.
ولذلك يقول ابن تيمية: فأقام الله الحجة وصرف الآيات والأمثال، ونوع الأدلة. ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال.
وإذا علم هذا، فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله؛ طريق العلم والتعليم.
ومن الناس من يكون سيد عمله الذكرُ، وقد جعله زاده لمعاده، ورأس ماله لماله.
ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة.
ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدى كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات قد فتح له في هذا وسلك منه طريقًا إلى ربه.
ومن الناس من يكون الصيام طريقه، فهو متى أفطر تغير عليه قلبه وساءت حاله.
ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أوراده.
ومن الناس من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فتح الله له فيه، ونفذ منه إلى ربه.
ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والإعمار.
ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق، وتجريد الهمة، ودوام المراقبة، ومراعاة الخواطر، وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة.
ومنهم جامع لمنفذ المسالك إلى الله في كل واد والوصول إليه من كل طريق فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه وعينيه يؤمها أين كانت، ويسير معها حيث سارت. وقد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك: إن كان علم , وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أني استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها، فلو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربى حيث كانت، وأين كانت؟ جالبة ما جلبت، مقتضية ما اقتضيت؛ جماعتى أو فرقتى، وليس لى مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها، ومراقبًا له فيها عاكفًا عليه بالروح والقلب والبدن والسر , قد سلمت إليه منتظرًا منه تسليم الثمن: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111) . وبذلك كانت الشريعة هي المنهج القياسى.
ـ ولكن هناك أحكام تحتاج في علاقتها بالطبيعة الإنسانية الأصلية إلى نوع مناقشة، وأهمها حكم الحجاب، إذ يطرح التساؤل نفسه: هل ترغب المرأة نفسيًا وإنسانيًا أن يراها الرجال .. ثم يأتى حكم الحجاب مناقضًا لهذه الرغبة؟.