الصفحة 80 من 276

لأن الوحي يراعي أن الرجل لن يستطيع - نفسيًا - مراجعة عمر ومفاصلته في الثمن لأنه في الاساس فرسه وهديته.

وهكذا تكون المراعاة.

والوصول إلى الصيغة الشرعية للإنسان لابد أن يكون معه مخالفه بعض الأحكام الشرعية لطبيعة النفس الأصلية، مثل الإنفاق رغم طبيعة الشح الأصلية كما قال سبحانه: {وأحضرت الأنفس الشح} .

وهنا يكون المعني الانساني للشريعة متمثلا في معالجة هذا الاختلاف بأحكام التوفيق والحكمة .. حتى لا يكون الاصطدام .. مثل التحريض على الإنفاق: {من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا} . ومثل الطمأنة على أن المال لا ينقص بالصدقة كما قال - صلى الله عليه وسلم:"ما نقص مال عبد من صدقة" [1] .

ومن أخطر الأمثلة الشرعية على الاعتبار النفسي هو معالجة الطبيعة الدفينة للإحساس بالظلم عند الإنسان. مما يدل علي المعالجة النفسية بالأحكام الشرعية بأعمق مدى

لأن الإحساس بالظلم من الإحساسات الخطيرة التي لا تعالج عند المظلوم إلا بالقصاص من الظالم شخصيًا، فلا يريح المظلوم أن يعلم أن الظالم في النار مع أهل النار، ولكن يريحه أن يلقاه ويرى عذابه شخصيًا. وهذا تفسير قول الله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيم} (سورة الحج: 19) ، وهو ما يثبت الدلالة النفسية لطبيعة الإحساس بين المظلوم والظالم بصفته الشخصية.

والفوارق الشخصية:

وحقيقة أن الشريعة هي المنبع الواحد الذي يرده الجميع لا تعني أن يتحول الناس إلى صورة سلوكية متكررة، بل إن التفاعل بين الإنسان بطبيعته الأصلية ومنبع الشريعة الذي سيرده هذا الإنسان سينشئ عنه فوارق شخصية ولكنها لا تتجاوز ألوان العسل الذي يخرج من بطن النحل مادة واحدة وإن اختلفت ألوانه.

ولذلك يقول ابن القيم:

(1) [صحيح] أخرجه الترمذي في (الزهد / بـ ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر / ح 2325) من حديث أَبُو كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ] قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت