ولكن الإنسان بحبه لنفسه وبحب نفسه لذاته يكره بطبيعته تسليم إرادته , فيقدر الإسلام هذا الإحساس فيطلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - البيعة على الإسلام من رجل فيقول له: ولكني أكره ذلك، فيقول الرسول: أسلم وإن كنت كارهًا، فيتجاوز الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرجل حالة كراهية تسليم الإرادة ولكن دون إكراه، لأن الرسول طلب من الرجل الدخول في الإسلام دون تخويف أو تهديد.
وبذلك يعطي معني الاسلام بارادة الانسان وحريته .. لكل سلوك انساني يمارس في اطار هذا الدين المعني الحقيقي الكامل للدلاله علي هذا السلوك ..
ولا يتنافي مع الاراده والحريه. الالتزام بأحكام الاسلام التي قد تجد فيها النفس كراهه طبيعيه
، ولا يمنع ذلك من الالتزام بها، ولذلك يقول ابن القيم في تفسير الآيات:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (النساء:19) .
فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية، والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية، فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه من المكروه , وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده. ويحب الموادعة والمتاركة، وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده. وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها خير كبير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصفها، وله في إمساكها شر كبير لا يعرفه. فالإنسان كما وصفه به خالقه (ظلوم جهول) .
فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه , ونفرته وبغضه , بل المعيار على ذلك ما اختاره له بأمره ونهيه.
ولما كان المعنى العام للعبودية مستوعبًا لحياة الإنسان؛ كان كل سلوك صادر عن الإنسان في حياته له دلالته. وأن أي سلوك ناقض لهذا التفسير لن يكون له دلالة إلا الكفر أو الفسوق أو المعصية.
من هنا نشأ في المقابل؛ السلوك الدال على هذه الصفات. وبذلك أصبح السلوك الإنساني بطبيعته محكومًا عليه إما بالدلالة على الإيمان أو ما يخالفه، ومن هذه الحقيقة أصبح أي سلوك صادر عن الإنسان له دلالته ومعناه.
و الصلاة أهم مجال سلوكي لإبراز معنى الدلالة السلوكية , ابتداء من التوجة للقبلة، وانتهاء بالتسليم، مرورًا بالقيام والركوع والسجود. ولذلك كانت الصلاة في نفس الوقت هي معيار الشخصية
(كما سيأتي) .
وبهذا المعنى يمكن تحليل السلوكيات الأساسية للإنسان ومنها المصافحة الدالة على التوافق والحب. ولذلك لزم أن ينظر الرجل إلى من يصافحه لإثبات هذه الدلالة. وأي مصافحة لا يتوافق معها حركة الوجه لا تكون مصافحة حقيقية، وتكون عملًا فاقدًا دلالته.