وكما كان رفع الأمانة دليلًا على جوهرية المضمون الإنساني لعلامات الساعة فهناك رفع العلم وهو لا يختلف عن الأمانة في رفعها، وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" [1] . ذلك لأن العلم الشرعي علم بالوحي، والوحي روح من الله {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإيمان وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى:52) .
ولذلك ناسب أن يكون رفع العلم بانتزاع الروح والموت، وبذلك تأكد المضمون الإنساني في صيغة العلم والأمانة. واختيار مثل الأمانة والعلم في ثبات المضمون الإنساني للعلامات ليس فقط لأن الأمانة والعلم ألصق الصفات وأعمقها في كيان الإنسان بل لأن رفعهما - في نفس الوقت - بداية لرفع الدين والكون؛ فرفع الأمانة بداية الأحكام.
بدليل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أول ما يرفع من دينكم الأمانة وآخر ما يرفع من دينكم الصلاة" [2] . ورفع العلم بداية رفع واقع الدين والكون، وكما قال - صلى الله عليه وسلم:"يرفع العلم منكم ويكثر الجهل ويفشو الزنى وتكثر الزلازل" [3] .. حتى تكون الساعة الزلزال الأكبر.
إن الارتباط بين الساعة وعلاماتها وبين الإنسان ارتباط غاية في الدقة.
ولعل ذلك يتضح من خلال قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الساعة:"تأتي ريح لينة من قبل اليمن ...".
إن الحديث يربط بين الريح التي ستأتي في آخر الزمان لتأخذ كل نفس مؤمنة، وبين اليمن .. لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر اليمن بالاسم وأهل اليمن، ولم يقل ريح تأتي من الجنوب.
يعني بذلك الانتباه إلى اليمن وأهلها وهم الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا" [4] .
وهكذا جاءت الريح اللينة من عند أصحاب القلوب اللينة.
المستوى البشري الأممي:
ومن هنا كانت الطبيعه الانسانيه معيارا هاما للساعه ..
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثه من علامات الساعه
شح مطاع.
وهوى متبع.
و إعجاب كل ذى رأي رأيه.
والصيغة المقدرة للوجود البشري بصورته الصحيحة هي الأمة الواحدة التي تعبد ربًا واحدًا ..
وهذه الصيغة هي ضمان الوجود البشري حتى قيام الساعة.
ولما كانت العلامات هي مقدمة بين يدي الساعة.
فإن اعتبار هذه الصيغة القدرية للوجود البشري لابد أن يكون قائمًا بصورة واضحة حتى هذه المرحلة.
ويستدل لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح، من حديث المغيرة بن شعبة:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" [5] وفي رواية:"حتى تقوم الساعة"، وفي رواية معاوية في الصحيح أيضًا بلفظ:"ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة. أو حتى يأتي أمر الله".
وله شواهد عند مسلم من حديث جابر بن سمرة وعقبة بن عامر.
(1) متفق عليه.
(2) يروى عن البن مسعود كما في (المجمع / 7/ 329)
(3) [صحيح] أخرجه البخاري في (الجمعة / بـ ما قيل في الزلازل / 1036) من حديث أبي هريرة.
(4) [صحيح] أخرجه البخاري في (المغازي / بـ قدوم الأشعريين / 4338) من حديث أبي هريرة.
(5) متفق عليه.