ومن حيث طبيعته، قال الله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة:2:1) .
لأن النفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها بطبيعتها. وهذا يعني وجود أصل الحساب على الأعمال التي سيكون عليها يوم القيامة.
إن المضمون الإنساني للساعة هو الذي يفسر ظاهرة (الضمير) أو النفس اللوامة لأن هذه الظاهرة دليل على الحساب.
وإيمان الإنسان بالحساب مسألة تكوينية نفسية، لأن الضمير كذلك ظاهرة تكوينية نفسية ..
ومن حيث رده إلى أرذل العمر لتكون نهاية الكيان الإنساني كله ليكون ذلك دليلًا على نهاية الوجود الإنساني كله.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفي وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج:5) .
وبهذا الاعتبار تكون الساعة هي نهاية الخلق عامة، والإنسان خاصة.
ولكن مانعنيه بالمضمون الإنساني للعلامات ارتباطها بألصق وأعمق الصفات والخصائص الإنسانية ولتوضيح هذا المفهوم، نضرب في البداية مثالين:
الأمانة ...
والعلم ...
أما دليل جوهرية الأمانة والعلم بالنسبة للإنسان فهو أسلوب رفعهما.
ففي رفع الأمانة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى في أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا ليس فيه أى شيء، يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" [1] .
والملاحظة المنهجية في الحديث هي أن الأمانة لا تقبض من قلب الرجل إلا وهو نائم، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ينام الرجل النومة .."،"ثم ينام النومة"وقد سبق القول أن تفسير هذه الملاحظة يرجع إلى حقيقتين: حقيقة الأمانة ... وحقيقة مكانها في الإنسان ...
أما حقيقة الأمانة فهي التكليف، كما قال ابن عباس، وفسر ذلك بقوله:"إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت"
والنوم هو الحال الذي يرفع فيه التكليف فيناسب ذلك قبض الأمانة؛ لأنها أصل التكليف فيناسب قبضها حال رفع التكليف.
وأما حقيقة مكانها؛ فهو جذر قلوب الرجال (أى أصل قلوب الرجال) .
والنوم هو الحال الذي ينام فيه القلب، لأن الذي لا ينام قلبه إذا نام؛ هم الأنبياء فقط فيناسب حال نوم القلب أن ترفع الأمانة من أصله.
(1) متفق عليه.