ومن مجموع هذه الإمكانيات الشيطانية استطاع الشيطان أن يصل بالإنسان إلى مرحلة الضلال البعيد .. قال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا.}
ومن الآية يتضح أن هدف الشيطان ليس الكفر المجرد الذي من المحتمل أن يعود الإنسان بعده إلى الهدى، وإنما الهدف هو:"الضلال البعيد"... الذي لا يعود الإنسان إلى ربه بعده أبدًا إلا أن يشاء الله عز وجل. ويتحقق هذا الضلال بعد عدة خطوات.
-فقد الأصالة الإنسانية.
-والصفة الإنسانية. وبذلك يصبح الإنسان ممسوخًا مسخًا جوهريًا، ولا يستطيع العودة إلى الهدى مرة أخرى.
والأصالة الإنسانية هي معدن الإنسان نفسه. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"الناس معادن" [1] .
ويقول أيضًا:"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوًا" [2] .
وقياسًا على ذلك تكون جميع المخدرات مثل الهيروين التي ينعدم معها إمكانية الالتزام بالإسلام بل تذهب معها الأصالة الإنسانية وتتبدد، وتتوه الصفة الإنسانية ويصبح الإنسان في حكم الممسوخ وإن ظلت صورته آدمية.
3 -الساعة وعلامات الساعة:
وهي الجانب الثالث في مصطلح (الإيمان)
ولهذا الجانب تفسير نفسي هام:
فالإنسان دليل على الساعة من حيث خلقته وطبيعته، ولابد أن يمتد الاستدلال بالإنسان على الساعة من خلال علاماتها أيضًا، فيصبح الإنسان في زمن كل علامة دليلًا قائمًا على الساعة. وذلك بتغير أحواله ليتوافق مع مقتضيات النهاية الكونية.
والمضمون الإنساني للعلامات له مستويان:
-المستوى الذاتي الفردى.
-المستوى البشري الأممى.
المستوى الذاتي الفردي:
وهو أن نعلم أن الإنسان ذاته دليل جوهري على القيامة، فمن حيث خلقته أصلًا في بطن أمه؛ يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} (المؤمنون15:12) .
ويوافق الآية في معناها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أحدكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهل الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهل الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ" [3] .
حيث جمع الحديث بين الإنسان بنوعه وعمله وبين مصيره عند الله يوم القيامة.
(1) متفق عليه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ قَالَ النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ خِيَارُهُمْ فِي الجاهلية خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذا فَقُهُوا وَالأرواح جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.
(2) [صحيح] أخرجه البخاري في (أحاديث الأنبياء / 3353) من حديث أبي هريرة.
(3) متفق عليه.