وبذلك أصبحت المعاشرة الزوجية الصحيحة باعتبارها بداية طبيعية للذرية - أصبحت هذه المعاشرة - بداية طبيعية للإمامة ..
وقد جاءت العلاقة بين الزواج والإمامة مباشرة.
في تفسير قول الله عز وجل: ربَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان:74) .. يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له و قال ابن عباس:"يعنون من يعمل لله بالطاعة فتقر بهم أعيننا في الدنيا والآخرة. [1] "
وقال عكرمة:"لم يريدوا بذلك صباحه ولا جمالا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين" [2]
وقال الحسن البصري - وقد سئل عن هذه الآية -:"أن يُري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمة طاعة الله لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولد أو أخا أو حميما مطيعا لله عز وجل" [3]
و باعتبار ثبات العلاقة بين الزواج و الإمامة في الدين فإن الشيطان استهدف هذه العلاقة فنجده و هو يحارب سلطة سليمان و خلافته يحاول في نفس الوقت هدم العلاقة الزوجية و تدميرها على أساس أن هدم الحكم الإسلامي و العلاقة الزوجية هدفًا واحدًا و كان ذلك هو مضمون قول الله سبحانه و تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أحد إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (البقرة: 102) .
الزواج والذرية والإمامة في الدين ..
و بذلك تحقق بالزواج و الذرية مقتضيات الإمامة في الذين:
1 -فتتحقق الرجولة .. بالقوامة.
2 -و تتحقق القيادة .. بالأبوة.
3 -و يتحقق الصبر .. بالتربية.
4 -و يتحقق اليقين .. بالاطمئنان.
و لكن هناك علاقة تفصيلية بين الزواج والإمامة ذات طبيعة نفسية إذ كان إحساس الغيرة والدفاع عن العرض هو الإمكانية الأولى لحماية الدعوة، و لذلك نشأ الولاء للجماعة ارتكازًا على طبيعة الغيرة والدفاع عن العرض؛ ولهذا كان نص البيعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار هو قوله: (أن تحموني مما تحمون منه نساءكم وأموالكم ... ) [4] وتبقى طبيعة الغيرة الإنسانية على العرض طاقة مستمرة لحماية الدعوة حتى تصبح الغيرة على الدين قرينة الغيرة على العرض، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) . [5]
كما أن العلاقة الزوجية تغرس في نفس الإنسان صفة أخلاقية مهمة تعتبر الأساس الأول في الالتزام بالجماعة المسلمة، وتلك الصفة هي الارتفاع بمستوى الالتزام بالجماعة فوق مستوى الانفعال النفسي، وذلك لأن العلاقة الزوجية هي التي تحقق في الطبيعة الإنسانية
(1) انظر"تفسير القرآن العظيم" (3/ 109) .
(2) الموضع السابق.
(3) الموضع السابق.
(4) [حسن لغيره] أخرجه أحمد في"مسنده" (20/ 270) ، والحاكم في"المستدرك" (2/ 624) وصححه ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 175) :"هذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه"، وحسن الحافظ إسناده كما في"الفتح" (15/ 75) ، وقال عنه الألباني في"حاشية فقه السيرة"للغزالي صـ 157:"وفيه عله: وهي عنعنة أبي الزبير وكان مدلسًا، وليس من رواية الليث بن سعد عنه فلعل تصحيحه أو تحسينه لشواهده. اهـ، وأصله في الصحيحين، والله أعلم."
(5) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (الإيمان / بـ فضل من استبرأ لدينه / ح 52) ، ومسلم في (المساقاة / بـ أخذ الحلال وترك الشبهات / ح 1599) من حديث النعمان بن بشير.