الصفحة 124 من 276

وتثبت صفة الإنكار بالانتماء إلي الجماعة المسلمة وإعطائها الولاء .. وهذا من حيث الموقف كما تثبت له صفة الإنكار بممارسة الدعوة وما تقتضيه من إنكار لأي منكر وبراءة من كل باطل ... هذا من حيث السلوك،

وثبوت الإنكار علي الجاهلية بالانتماء للجماعة وممارسة الدعوة هو الأصل في الإنكار، أما الاعتزال فهو تصرف اضطراري يثُبت الإنكار بعد اليأس من الاستجابة للدعوة.

إذ لو كان الاعتزال هو الأصل في معني الإنكار لتقرر علي المسلم بمجرد دخوله الإسلام، فيلغي هنا الاعتزال واجب الدعوة وهذا خطأ خطير.

والتحديد العملي لضرورة الاعتزال يؤكد أن الاعتزال أصلا إنما يكون للمنكر وليس للناس في ذاتهم، إذ أن الناس هم موضع الدعوة، بدليل قول الله عز وجل: (أَنْ إذا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (سورة النساء الآية: 140)

والأمر بالاعتزال كما هو واضح من الآية معلق بحال الاستهزاء بالآيات، وبمجرد انتهاء حال الاستهزاء يكون القعود للدعوة.

وتأتي كل آيات الاعتزال لتثبت أن الاعتزال إنما يكون باعتبار ما عليه الناس من منكر وليس للناس أصلا.

(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ ) (سورة مريم الآية: 48)

(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ) (سورة الكهف الآية 16) .

ويظل اعتزال الناس معلق بحال المنكر الفعلي إلي أن يثبت علي هؤلاء الناس استحالة مفارقتهم للمنكر فتصبح حياتهم بصفة دائمة مثل حال وقوعهم في المنكر الذي يجب اعتزالهم فيها، فيتقرر الاعتزال بصفة دائمة. و حينئذ يكون صوابًا

وفي الإحساس بالتناقض بين المسلم والمجتمع الجاهلي الذي يعيش فيه و قواعد التعامل معه يقول الأستاذ سيد قطب لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية. كان يشعر في اللحظة التي يجيئ فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عمرًا جديدًا، منفصلًا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية، وكان يقف كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف، الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام! وبهذا الإحساس كان يتلقى هدى الإسلام الجديد. فإذا غلبته نفسه مرة. وإذا اجتذبته عادته مرة، وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة .. شعر في الحال بالإثم والخطيئة، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهير مما وقع فيه، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدي القرآني، كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائيًا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيًا ببيئته الإسلامية، حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر.

وكان هناك انخلاع من البيئة الجاهلية، وعرفها وتصورها وعاداتها وروابطها، ينشأ عن الانخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود، وينشأ من الانضمام إلى التجمع الإسلامي الجديد، بقيادته الجديدة، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل ولائه وكل طاعته بل تبعيته، وكان هذا مفرق الطريق، وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والمبادئ السائدة فيه. ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة، هو في ذات نفسه قد عزم وانتهي ولم يعد لضغط التصور الجاهلي، ولا لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من سبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت