نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية ... تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية. ومراجع إسلامية. وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًا. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!!.
لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا، ولا يتضح في عقولنا، ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة.
فلابد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن تتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها، لابد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال. النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة. نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق، وجود الله سبحانه ... ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة، وقيمنا وأخلاقنا، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة.
ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل لا بشعور الدراسة والمتاع. نرجع إليه لنعرف مإذا يطلب منا أن نكون. لنكون. وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص وبمشاهد القيامة في القرآن .. وبالمنطق الوجداني في القرآن .. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع، ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول.
إن هدفنا الأول أن نعرف: مإذا يريد منا القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟ ثم لابد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له، فهو بهذه الصفة .. صفة الجاهلية .. غير قابل لأن نصطلح معه.
إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولًا لنغير هذا المجتمع أخيرًا، إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع، مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه، هذا الواقع الذي يصطدم اصطدأما أساسيًا بالمنهج الإسلامي. وبالتصور الإسلامي والذي يحرمنا بالقهر
والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش. إن أولى الخطوات إلى طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدل في قيمنا وتصوراتنا قليلًا أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق، كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق!.
وسنلقى في هذا عنتًا ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية، وإنه لمن الخير أن ندرك دائمًا طبيعة منهجنا، وطبيعة موقفنا، وطبيعة الطريق الذي لابد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد.
معالم في الطريق .... الأستاذ سيد قطب.
(التعذيب والسجون
• التعذيب:
وفي مهنة التعذيب فإن بلوغ حد إلاستطاعة في الصبر والتحمل والثبات لا يكون إلا بمعرفة إمكانية المواجهة الصحيحه لهذه المحنه.
وأهم عناصر هذه إلامكانية هو دخول المحنة بالعزم المسبق على مقاومة إلانهيار حيث إن دخول مرحلة التعذيب يجعل الفرد في حالة شبه لا إرادية، والعزم المسبق هو الذي يحقق المقاومة.
وهذه الحالة أقرب ما تكون شبهًا بحالة النوم، فإذا أراد إنسان أن ينام وهو عازم على فعل شيء فإن هذا العزم يكون مؤثرًا في حال نومه، فيجعله منشغلًا بالموضوع الذي عقد العزم عليه.