الصفحة 121 من 276

وكما كان الانشغال سببًا في التوهم الذي يصل إلى مرحلة الهوس فإن هناك حالة مقابله لمرض الهوس، وهي احلام اليقظه، ففي حاله الهوس لا يتحكم الانسان في التوهم الناشىء عن الانشغال فيسمع أو يرى بلا اراده أو سيطره أما في حاله (احلام اليقظه) يتحكم ففيها الانسان في انشاء الصوره المتوهمه لينشغل بتلك الصوره نفسيا

و ذهنيا ....

أحلام اليقظة:

و هي التمني الكاذب .. الذي لا يعني سوى ترك العمل وعدم بلوغ حد الاستطاعة فيه، وترك الأخذ بالأسباب والسنن.

والواقع هو الذي يقف بالأمل على عتبة التحقيق لأن الانفلات من الواقع والأسباب والقدرة والاستطاعة يغرق الإنسان في خيال ليس له حدود.

والفرق بين التمني الكاذب و الرجاء الصادق متعلق بما يرجى وجوده فالتمني الكاذب هو الأمنية التي لا يرجى حصولها كما يتمنى العاجز المراتب العالية.

والأمانى الباطلة: هي رؤوس أموال المفاليس بها يقطعون أوقاتهم و يلتذون بها كالتذاذ من زال عقله بالمسكر أو بالخيالات الباطلة (أحلام اليقظة) و لا يرضى بالأمانى عن الحقائق إلا ذوو النفوس الدنيئة الساقطة.

إن الخطر الناشئ عن أحلام اليقظة هو استهلاك الطاقة الذهنية و الرصيد العقلى في تخيل الواقع الذي يرفضه، في صورة ترضيهو لذلك فإن هذا التخيل يستهلك في الانسان طاقة ذهنية هائلة تضعف عقله كما أن خطر أحلام اليقظة ينشأ عن أن المريض يعيش تخيله و أحلامه بصورة عصبية تستهلك هي الأخرى قدرته العصبية بكثرة مجاراة أعصابه لأحلامه.

وخطورة أحلام اليقظة كذلك تنشأ من طغيان إحساسه بخياله عند فقد قدرته العقلية و العصبية على إحساسه الذي يعيشه فعلًا لينفصل عن واقعه كلية فيكون الجنون.

الجنون:

وجميع الأمراض السابقة من الممكن أن تؤدى بالإنسان إلى حاله الجنون و ذلك عندما يفقد المريض إدراكه لنفسه و للواقع الذي يعيشه و لذلك كان استبصار المريض بنفسه و إدراكه لحقيقته يمنع إطلاق وصف الجنون عليه فكان هذا الاستبصار و الإدراك حدا فاصلا بين من بلغ درجه الجنون ومن لم يبلغها ..

والجنون هو الاختفاء و الغياب و الستر , وهو مرض مقصود به اختفاء و غياب و ستر العقل. ومنه جن الشيء يجنه جنا: ستره.

ومنه قول الله (فلما جن عليه الليل رأي كوكبا) أي أظلم حتى يستره بظلمته

ومنه سمي الجن لاستتارهم عن الأبصار ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه.

والإعجاب بالنفس هو محور الآثار و النصوص المعالجة لظاهره الجنون.

يقول الحسن: لو أصاب الإنسان في كل شيء جن , أي: لا عجب بنفسه إعجابا يجن به. ومن هنا كان الإعجاب بالنفس سببًا خطير للجنون

والحديث: (اللهم إني أعوذ بك من جنون العمل) أي: من الإعجاب به.

و رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما مجتمعين على رجل فقال: ما هذا؟ قالوا: مجنون.

قال: هذا مصاب. إنما المجنون من يضرب بمنكبية و ينظر في عطفه ويتمطى في مشيته)

ومن الظواهر الأساسية الدالة على الجنون: الحركة النشطة غير المنضبطة ..

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشباب شعبة من شعب الجنون) .

و دليل ذلك النشاط هو قول العرب: جنى الشاب وصفًا لحركة الشباب خفته

و دليل عدم الانضباط أن تكون الحركة في أي اتجاه ..

ومنه قول العرب: جنت الأرض إذا ذهب عشبها كل مذهب.

ووفقًا للقاعدة العامة في التصور الإسلامي للصحة النفسية و هي أن المرض يثبت الأصل الذي تكونت عليه الطبيعة الإنسانية.

حيث ينطبق على أعراض الجنون نفس القاعدة التي تنطبق على جميع الأمراض النفسية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت