الصفحة 119 من 276

وعلى الرغم من الأخذ بكل أسباب الحماية للزوجة تبقى في نفس الزوج رغبة في المزيد من الإحساس بالأمان على زوجته وعرضه. ولكن هذا الإحساس لا يمكن أن يكتمل عند الزوج إلا من خلال استقرار عدة حقائق في ضميره، وأهمها أن العفاف قدر إلهي يتحقق في الزوجة بعلم الله لها وعدله فيها. والدليل في قصة هجرة سيدنا إبراهيم وزوجته سارة إلى مصر [1] ، فقد كان ملك مصر يأخذ كل امرأة جميلة غصبًا فإن كان معها أخوها تركه، وإن كان معها زوجها قتله، فعلم هذا الملك بقدوم إبراهيم وسارة كما علم بجمالها، فطلبها، فكان موقف إبراهيم أن قال لها: أخبريه أني أخوكي، وهذا بالطبع فيه نجاة للخليل إبراهيم.

ولكن أين التفكير في نجاة الزوجة؟ هذا ما تركه إبراهيم للزوجة نفسها، فوقفت أمام هذا الملك الماجن تدعو الله:"اللهم إن كنت تعلم أني قد أحصنت فرجي إلا على زوجي فابعد عني هذا الشيطان". فخسف الله به الأرض واستجاب لها، ويتكرر فعل الملك بعد أن دعت بنجاته حتى لا يقولوا قتلته. ويتكرر مرة ثالثة، ولكن الله ينجيها في كل مرة حتى يقول الملك: اذهبوا بها عني واعطوها هاجر.

ومن الدعاء والاستجابة يتبين كيف أن العفاف قد تحقق لزوجة إبراهيم بأسباب من عندها وهي إحصان فرجها إلا على زوجها. فكتب الله لها النجاة والعفاف وتأكدت بذلك مسؤلية المرأة الحقيقية عن نفسها.

(1) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (أحاديث الأنبياء / بـ قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلًا / ح 3358) ، ومسلم في (الفضائل / بـ من فضائل إبراهيم الخليل / ح 2371) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَام قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَوَاحِدَةٌ فِي شَانِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهَا إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً فَقَالَ لَهَا ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ فَفَعَلَتْ فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَفَعَلَتْ فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ فَفَعَلَتْ وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ وَلَمْ تَاتِنِي بِإِنْسَانٍ فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي وَأَعْطِهَا هَاجَرَ قَالَ فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا مَهْيَمْ قَالَتْ خَيْرًا كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ وَأَخْدَمَ خَادِمًا] . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت