بالطلب له والشغل به، هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين! جعلنا الله منهم وفيهم إنه ذو فضل عظيم. اهـ [1]
وقال رحمه الله في موضع آخر في شرح هذا الحديث: وقوله عليه السلام (إن الملائكة لتضع أجنحتها) الحديث يحتمل وجهين، أحدهما: أنها تعطف عليه وترحمه كما قال الله تعالى فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) [2] أي تواضع لهما، والوجه الآخر: أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها، لأن في بعض الروايات (وإن الملائكة تفرش أجنحتها) أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله وكان سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها، فمن هناك يسلم فلا يخفى إن كان ماشيا ولا يعيا وتقرب عليه الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق. اهـ [3]
الدليل السادس: إن العلم حياة ونور، وضده وهو الجهل موت وظلمة، والشر كله سببه عدم الحياة والنور، قال تعالى (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) [4] ، أي أنه كان ميتا بالجهل قلبه فأحياه بالعلم وجعل له من الإيمان نورا يمشي به في الناس، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) [5] ، وقال تعالى (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) [6] ، وقال تعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [7] ، فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ونور يحصل به الإضاءة والإشراق فجمع بين
(1) تفسير القرطبي، ج 1/ 288: 289.
(2) سورة الإسراء، الآية: 24.
(3) راجع تفسير القرطبي، ج8/ 296.
(4) سورة الأنعام، الآية:122.
(5) سورة الحديد، الآية:28.
(6) سورة البقرة، الآية:25.
(7) سورة الشورى، الآية:52.