مال لم يكن عليه واجبا أن يتعلم الزكاة، فإذا كان له مائتا درهم وجب عليه أن يتعلم كم يخرج ومتى يخرج وأين يضع، وسائر الأشياء على هذا.
قال الخطيب رحمه الله: وهكذا رُوي عن علي بن أبي طالب أنه أمر تاجرا بالتفقه قبل التجارة، وساق بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أريد أن أتجر، فقال له: الفقه قبل التجارة، إنه من تجر قبل أن يفقه ارتطم في الربا ثم ارتطم.
وساق بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن الرجل يجب عليه طلب العلم، فقال: أما ما يقيم به الصلاة وأمر دينه من الصوم والزكاة ـ وذكر شرائع الإسلام ـ قال: ينبغي له أن يتعلم ذلك.
ثم قال الخطيب رحمه الله: فواجب على كل أحد طلب ما تلزمه معرفته مما فرض الله عليه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه، وكل مسلم بالغ عاقل من ذكر وأنثى حر وعبد تلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا، فيجب على كل مسلم تَعَرُّف علم ذلك، وهكذا يجب على كل مسلم أن يعرف ما يحل له وما يحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأموال، فجميع ذلك لا يسع أحد جهله، وفرض عليهم أن يأخذوا في تعلم ذلك حتى يبلغوا الحلم وهم مسلمون، أو حين يسلمون بعد بلوغ الحلم، ويُجبر الإمام أزواج النساء وسادات العبيد على تعليمهن ما ذكرنا، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك ويرتب أقواما لتعليم الجهال ويفرض لهم الرزق في بيت المال، ويجب على العلماء تعليم الجهال ليتميز لهم الحق من الباطل. اهـ [1]
وقال ابن حزم رحمه الله: قال الله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [2] فبيّن الله عز وجل في هذه الآية وجه التفقه كله، وأنه ينقسم قسمين:
أحدهما: يخص المرء في نفسه، وذلك مبين في قوله تعالى (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه.
الثاني: تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرا لقومه وطبقته، قال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) [3] .
(1) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ج1/ 43ـ 44.
(2) سورة التوبة، الآية: 122.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 7.