وأما أثر أبي بكر الصديق بنفس المعنى فقد قال عنه ابن كثير رحمه الله: إنه منقطع بين إبراهيم التيمي وأبي بكر - رضي الله عنه - [1] ، وذكر ابن حجر رحمه الله لهذا الأثر عدة روايات منقطعة وقال: لكن أحدهما يقوي الآخر [2]
وقد سأل الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الهلال لِم يبدو خيطا ثم يمتلئ حتى يصير بدرا، فأنزل الله تبارك وتعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) [3] ، فهم قد سألوا عن شيء فأجيبوا عن غيره، وما ذلك إلا لأن سؤالهم لا ينبني عليه فائدة لهم أو لغيرهم، فصرفهم الله تعالى إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وبالجملة فكل علم لا ينبني عليه فائدة للمكلف في دينه ودنياه فهو غير مطلوب شرعا.
وأما ما يُنهى عنه من العلم، فهو كل علم عارض الكتاب والسنة من أي وجه، وذلك مثل علوم الكفار التي كانوا يعارضون بها الرسل، وذلك كما في قوله تعالى (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) [4] ، ويدخل فيما يُنهى عنه من العلم علم الكلام، وهو من أضر ما دخل على المسلمين من علوم الفلاسفة واليونان.
واعلم أن من أسباب ضلال الناس في مسائل العلم عامة ومسائل أصول الدين خاصة، إنما هو اشتغالهم بكلام الفلاسفة الذي لا ينفع شيئا وإعراضهم عن تدبر كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما يجني هذا العلم على أهله إلا الضياع في العمر والحيرة في الفكر، وقد اجتمعت على ذم علم الكلام أقوال أهل العلم وأهل الكلام أنفسهم.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظره حفص الفرد قال لي: يا أبا موسى، لأن يلقى الله عز وجل العبـ دُ بكل ذنب ما خلا
(1) تفسير ابن كثير ج 4/ 743، ط: دار الفكر، والآيات من سورة عبس، راجع في ذكر روايات أثر عمر - رضي الله عنه - فتح الباري ج13/ 270 ـ 271.
(2) فتح الباري ج13/ 271.
(3) سورة البقرة، الآية: 189.
(4) سورة غافر، الآية: 83.