الصفحة 15 من 39

الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه [1] .

وقال ابن عبد البر رحمه الله: وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: إنه لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل.

وقال أيضا: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يُعَدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم.

ونقل ابن عبد البر عن ابن خويز منداد المالكي قوله: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، لا تُقبَل له في الإسلام شهادة أبدا، ويُهجَر ويؤدَّب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها. اهـ [2]

وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في بيان حكم أهل الكلام: قال الإمام الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، وأنشد الشافعي رحمه الله قائلا:

(1) راجع قول الشافعي بعد أن ناظر حفصا الفرد وغيره في سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمة الإمام الشافعي ج10/ 17، 18، وقد نقل البيهقي في المناقب ج1/ 453 عن يونس بن عبد الأعلى قال: أتيت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد، فقال: غبت عنا يا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شئ والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه بالكلام. انتهى، قال البيهقي: إنما أراد الشافعي رحمه الله بهذا الكلام حفصا وأمثاله من أهل البدع وهذا مراده بكل ما حكي عنه في ذم الكلام وذم أهله، غير أن بعض الرواة أطلقه وبعضهم قيده، وفي تقييد من قيده دليل على مراده، ثم نقل عن أبي الوليد بن الجارود قوله: دخل حفص الفرد على الشافعي فكلمه ثم خرج إلينا الشافعي فقال لنا: لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامه خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه، وكان يقول بخلق القرآن، ثم قال البيهقي رحمه الله: وهذه الروايات تدل على مراده بما أطلق عنه فيما تقدم، وكيف يكون كلام أهل السنة والجماعة مذموما عنده وقد تكلم فيه وناظر من ناظره فيه وكشف عن تمويه من ألقى إلى سمع بعض أصحابه من أهل الأهواء شيئا مما هم فيه.

(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر ج2/ 95: 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت