وإن في هذه القصة لدروسًا عديدة جدير بنا أن نقف عندها ونتدبرها ..
فمن حقيقة خلق آدم من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، يتبين لنا -كما ذكرنا- أنه لا يمكن فصل عنصر في حياة الإنسان عن عنصر، لأنهما ممتزجان مترابطان .. ومن ثم فكل نظام أو فكرة أو تصور يتصور الإنسان مادة فحسب، أو روحًا فحسب .. فهو مخطئ من حيث أهمل الجانب الآخر في كيان الإنسان، ويسري الخطأ في كل خطوطه وتخطيطاته، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية أو تربوية .. أو علمية أو فنية .. لأنها من البداية تقوم على أساس تصور خاطئ لحقيقة الإنسان.
ومن ثم كذلك فأي محاولة لفصل أعمال الإنسان عن دلالتها الخلفية، أو الزعم بأن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، أو أن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، أو أن علاقة الجنسين لا علاقة لها بالأخلاق (!!) أو أن الفن لا علاقة له بالأخلاق .. كلها محاولها خاطئة وتصورات خاطئة، لا تستقيم إلا حين يكون للإنسان طريق واحد لا يملك إلا أن يسير فيه. فأما إن كان له طريقان، وله القدرة على أن يختار أيًا من الطريقين، فقد تحددت إذن دلالة خلقية مصاحبة لكل عمل: فهذا حسن وهذا رديء. وهذا صواب وهذا خطأ .. وهذا عال وذلك دنيء ...
ومن ثم أيضًا فإن كل محاولات علم النفس التحليلي لتبرير الجريمة -بصرف النظر عما وراءها من تخطيط شرير لا نتعرض له هنا- فهي قائمة كلها على أساس تصور -أو تصوير- خاطئ للنفس الإنسانية، يلغي الإرادة الضابطة التي تختار طريقًا من الطريقين، ويسد طريق الخير كله، طريق الله، ولا يدع إلا طريقًا واحدًا هو طريق الشيطان!
ومن تدبر المعنى القرآني للعبادة يتبين لنا مدى ما وقع فيه المسلمون في انحدارهم من تحريف لمعنى العبادة حتى قصرت على شعائر التعبد .. وألغى منها إلغاء تامًا كل من العمل والسلوك [1] .. ويتبين لنا الجهد الواجب في إعادة المسلمين إلى الفهم الصحيح للعبادة، الذي فهمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- والجيل الأول من الصحابة .. فصنعوا"بعبادتهم"ذلك التاريخ الفذ في كل تاريخ البشرية، في كل مجال من مجالات الحياة البشرية!
ومن تدبر معصية آدم ومعصية الشيطان نجد فرقًا جذريًا بين المعصيتين: الأولى معصية الشهوة التي تعمي بصيرة الإنسان لحظة فيقع فيها نهاه الله عنه .. ثم يفيق من قريب، فيعرف أنه أخطأ في حق ربه فيتوب .. والثانية معصية التكبر على طاعة الله، وإبداء"وجهة نظر"تخالف ما أمر به الله، أو هي بعبارة أخرى الحكم في أمر من الأمور بغير ما أنزل الله من تعاليم .. وهذه هي التي سماها الله كفرًا بالنسبة لإبليس، وكفرًا كذلك بالنسبة للإنسان الذي يقع في ذات ما وقع فيه إبليس، فيخالف الله تكبرًا على طاعته، أو يبدي"وجهة نظر"له تخالف ما أمر به الله، أو يحكم في أمر من الأمور بغير ما أنزل الله لأنه لا يعتبر أن ما أنزل الله واجب التنفيذ!
ولكن يلفت نظرنا -بالإضافة إلى ذلك- أن القرآن سمى ذلك الكفر عبادة للشيطان:
"أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ" [2] .
وليست هنا عبادة للشيطان بمعنى إقامة المعابد له، وإقامة الشعائر التعبدية له في تلك المعابد!
ولكنها العبادة بمعنى الطاعة والاتباع ..
وعبادة الله كذلك معناها الطاعة والاتباع .. !
هو معنى واحد هنا وهناك ..
(1) نتحدث عن السلوك فيما بعد.
(2) سورة يس: 60 - 62.