الصفحة 93 من 379

فمحاولة تحوير العبادة بالنسبة لله سبحانه وتعالى إلى مجرد الإقرار بوحدانيته وتقديم شعائر التعبد إليه، دون الطاعة والاتباع فيما أمر به من تشريعات وتنظيمات تنظم حياة البشر على الأرض، هي مغالطة"لغوية"للمعجم القرآني، فضلًا عن زيغها العقيدي وضلالها السلوكي! ولكنها مغالطة مكشوفة حين نرجع إلى معنى العبادة بالنسبة للشيطان!

ومن ثم فإن لا إله إلا الله لا ينتهي مدلولها -ولا مفعولها- عند الإقرار بوحدانية الله وتقديم الشعائر التعبدية فحسب. إن معناها هو الطاعة لله، والحكم بما أنزل الله، واتباع منهج الله .. وإلا فإنها ليست لا إله إلا الله!!

ومن تدبر وضع"عمارة الأرض"في المنهج الرباني يتبين لنا أمران في وقت واحد:

الأمر الأول أن عمارة الأرض في ظل منهج الله تختلف اختلافًا رئيسيًا عن عمارة الأرض في ظل منهج الشيطان .. كلا المنهجين يستخدم قدرات الإنسان ومواهبه وقدرته على الإبداع، فيستخلص بذلك كله طاقات مكنونة في الكون، ويسعى بالعلم النظري والتطبيقي إلى تسخير هذه الطاقات لتعمير الأرض وتيسير الحياة للإنسان.

ولكنهما -منذ البدء- يختلفان في الهدف، فيختلفان في النتيجة.

أولهما ينظر إلى الأمر على أنه عبادة .. فيتقي الله فيما يصنع. لا يظلم ليسيطر. لا يظلم ليثرى. لا يظلم لقيم"حضارة". لا يظلم ليستمتع بثمار"حضارته"على حساب الآخرين. ثم .. مرة أخرى .. يتقي الله فيما يصنع، فلا يفسد"الأخلاق"ليسيطر، ولا يفسد الأخلاق ليثرى، ولا يفسد الأخلاق ليقيم حضارة، ولا يفسد الأخلاق ليستمتع بثمار حضارته. أو لا يجعل ثمرة ذلك كله فساد الأخلاق، بمعناها الواسع الذي يشمل الجنس ويشمل كل تعامل بين البشر بعضهم وبعض، بما في ذلك تعامل السياسية وتعامل الاقتصاد وتعامل الفكر والفن .. ثم .. يتقي الله مرة ثالثة فيما يصنع، فلا يفسد"الفطرة البشرية"ليسيطر أو يثرى أو يقيم حضارة أو يستمتع بثمار الحضارة. وإفساد الفطرة أبعد مدى من إفساد الأخلاق .. فطرة الذكر الذي خلقه الله ذكرًا، والأنثى التي خلقها الله أنثى، وفطرة الإنسان عامة، الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله فلا ينبغي حصرة في عالم المادة وعالم الحس بحجة تعمير الأرض وإقامة الحضارات ..

وأما الثاني فلا يبالي شيئًا من هذا كله .. إنه يعمر الأرض .. نعم .. ولكن لشيء واحد فقط: هو الاستمتاع! ومن ثم تهون في نظره القيم كلها أو تُنْفى، لأن القيم كلها -منذ البدء- قيد على المتاع!

حقيقة إنه قيد مقصود به رفع هذا المتاع عن أن يكون متاعًا حيوانيًا، وتطهيره ليكون خليقًا بالإنسان، دون كبته ولا مصادرة منابعه. ولكن حين يكون الهدف هو المتاع ولا زيادة، فإن القيد كله يصبح شيئًا كريهًا في ذاته، ولو كان نابعًا من ذات الفطرة، ولو كان هو القيد الذي يجعل الإنسان إنسانًا ويحول بينه وبين الهُوِيِّ إلى عالم الحيوان!

ومنهج الشيطان هو"تزيين"الأرض للمتاع .."لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ"وهو هو منهج الجاهلية في تعمير الأرض .. تبدع في تعميرها وتفتنّ .. ولكنها تحطم"الإنسان"الذي تُعَمِّر الأرض من أجله، وتنتكس به دائمًا إلى حمأة يعف عنها الحيوان!! وأوقع مثال ذلك هو جاهلية القرن العشرين، التي"عمرت"الأرض كما لم تعمّر في تاريخها كله، و"خربت"الإنسان بما لم يحدث له مثيل في التاريخ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت