الصفحة 91 من 379

فمن حانت منه التفاتة إلى المغريات فقد أوشك أن يقع في الفخ! إن لم يقع بالفعل!

بل إن الشيطان لا يقف ساكتًا ينتظر من يقع! إنه دائمًا الحركة"الشيطانية"لا يفتر:

"ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ .." [1] .

تلك عقبات الطريق .. عقبات يزينها الشوق، وتدفع إليها الرغبة، ويؤز إليها الشيطان ..

ومع ذلك فما أضعف كيد الشيطان للذين يستعصمون منه بهدي الله، ويلجأون منه إلى حماه:

"إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ" [2] .

"إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ" [3] .

فتلك هي عدة الإنسان في الطريق، التي ينجو بها من عقبات الطريق!

وليس معنى النجاة من عقبات الطريق، باتباع هدى الله، والإيمان به والتوكل عليه .. ليس معناها"الراحة"بمعناها الحسّي القريب!

كلا!"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" [4] .

فالحياة كلها كدح .. سواء منها الكادح في سبيل الله، والكادح في سبيل الشيطان! والفارق ليس في الكدح ذاته ولا في درجته! إنما الفارق في نوع الكدح ونتيجته:

"فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا" [5] .

هنا تأتي الحلقة الأخيرة من القصة .. أخطر الحلقات في الحقيقة!

إن الحياة الدنيا مجرد حلقة من حلقات القصة ولكنها ليست نهايتها!

"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" [6] .

إن انتهاء القصة في الحياة الدنيا يجعلها قصة عابثة لا تليق بجلال الله الخالق العظيم ..

هذا الشتات المتناثر المتنافر من أحداث الأرض .. هذا الظلم والبغي بغير الحق .. هذه الدماء التي تسفك والأموال التي تغتصب والأعراض التي تنتهك والكرامات التي تهان .. هل هي نهاية الصورة؟

يظل الظالم يظلم حتى أخر قطرة من حياته وتنتهي الصورة؟ يظل المظلوم واقعًا في العسف والاضطهاد والتشريد إلى آخر قطرة من حياته وتنتهي الصورة؟

ويكون ذلك عدلًا صادرًا عن إله عادل؟!

كلا! كلا! .."إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى" [7] .

"وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" [8] .

هنا تكتمل القصة إلى نهايتها:

"كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ" [9] .

تلك قصة آدم .. إنها قصة القصص في القرآن!

فالقرآن كله هو الكلمة الأخيرة لأبناء آدم منذ هبوطهم إلى الأرض .. وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..

وكل ما فيه من القصص والمواعظ، والأوامر والتكاليف، هو لهداية بني آدم، ومعاونتهم في معركتهم الطويلة مع الشيطان ..

(1) سورة الأعراف: 17.

(2) سورة الحجر: 42.

(3) سورة النحل: 99 - 100.

(4) سورة الإنشقاق: 6.

(5) سورة الإنشقاق: 7 - 12.

(6) سورة المؤمنون: 115.

(7) سورة العلق: 8.

(8) سورة الأنبياء: 47.

(9) سورة الأعراف: 29 - 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت