الصفحة 90 من 379

تتطلعان إلى هذه الشجرة؟ فما يمنعكما أن تأكلا من ثمارها الشهية؟ أوامر الله؟! ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ليحرمكما مما فيها من خير ومتعة! إنكما إن أكلتما منها تصبحان ملكين، تطيران في خفة كالملائكة، وتكون لكما قدرات الملائكة! ثم إنكما لن تموتا أبدًا! بل ستكونان خالدين، ويكون لكما ملك لا يبلى!

يا له من إغراء!

"فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ .." [1] .

انكشفت لعبة الشيطان عن مأزق محرج أوقعهما فيه ولا زيادة!

"وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ" [2] .

بلى! ولكن وقعت الواقعة!

"قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [3] .

"وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى" [4] .

ولكنهما هبطا من الجنة كما دبر لهما الشيطان! هبطا إلى الأرض .. ومعهما ذلك الشيطان!

"قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" [5] .

وأي عداوة متبادلة أكبر من تسبب كليهما في إخراج الآخر من الجنة؟! إبليس بحقده على آدم. وآدم بطاعته للشيطان!!

تلك حلقة من القصة .. ولكن القصة لم يتم تمامها بعد ..

لقد هبط الفريقان .. كل بما هو عليه!

الشيطان بكل حقده وتربصه .. والإنسان بكل مواهبه وقدراته، ونقطة الضعف المتأصلة في كيانه التي يتسلل منها الشيطان!

"قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" [6] .

هنا ستكون حياة آدم وبنيه ..

وهنا سيتلقى التكليف:

"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [7] فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى" [8] .

والتكليف هو عبادة الله وحده بلا شريك. العبادة بمعناها الواسع، الذي تدخل فيه شعائر التعبد، وعمارة الأرض، والسعي في مناكب الأرض، والابتغاء من فضل الله، والزينة الحلال .. والجمال الحلال ..

ولكن .. هنا كذلك مجال الشيطان!

"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [9] .

زينة فيها الطيب الحلال .. وفيها الخبيث الممنوع ..

فأما التكليف الرباني -الذي يتمثل في الهدي الآتي من عند الله- فهو يأمر بالطيب ويمنع الخبيث. وأما إغراء الشيطان فهو بذلك الخبيث عينه، يزينه للناس ليقعوا فيه:

"قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" [10] .

وتلك هي معركة الحياة .. أو هي الملحمة العظمى التي يخوضها الإنسان ..

يتخذ طريقه في الأرض فتبرز له المغريات من كل جانب، يقف إلى جانبها الشيطان يزينها ويغري بها ويهتف بالناس إليها:

"وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا" [11] .

(1) سورة الأعراف: 22.

(2) سورة الأعراف: 22.

(3) سورة الأعراف: 23.

(4) سورة طه: 121 - 122.

(5) سورة الأعراف: 24.

(6) سورة الأعراف: 25.

(7) اهبطا أي آدم والشيطان.

(8) سورة طه: 123.

(9) سورة الكهف: 7.

(10) سورة الحجر: 39 - 40.

(11) سورة الإسراء: 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت