ثم .. أمر الملائكة أن يسجدوا لهذا الإنسان الذي خلقه الله وصوره، ومنحه ما منحه من المواهب التي منها تلك القدرة على التعلم [1] ، ومنها الوعي والإدراك والقدرة على الاختيار .. فسجدوا ..
"إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ" [2] .
وإبليس لم يكن من الملائكة بل من الجن:
"إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" [3] .
ولكن السياق يذكره مع الملائكة لأنه كان حاضرًا في ذلك المشهد، وتلقى الأمر كما تلقاه الملائكة:
"قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ" [4] .
وإنما يستثنى بإلا:"فسجدوا إلا إبليس"لا بمعنى أنه واحد منهم، ولكن"استثناء منقطعًا"كما يقول النحويون بمعنى"ولكن"أي: فسجدوا ولكن إبليس لم يكن من الساجدين (هذا على أحد التفاسير) .
وهنا تبدأ العقدة الهائلة في قصة آدم ..
لقد طرد إبليس من الجنة التي كان ينعم فيها، جزاء عصيانه وتبجحه بالعصيان:
"قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" [5] .
طرد مذءومًا مدحورًا .. ولكن بعد أن طلب إنظاره إلى يوم يبعثون وأجيب إلى طلبه:
"قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ" [6] .
فهل خرج صاغرًا في صمت .. أم إن الضغينة التي ملأت قلبه حسدًا وحقدًا قد تفجرت وهو يُخْرَج، فتناثر منها الوعيد لآدم وبنيه؟
"قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" [7] .
هنا نفهم -بصورة مبدئية- لماذا لا يشكر الإنسان! لماذا لا يؤدى ذلك التكليف الميسر، وهو العبادة، بمعنى الشكر، للرحمن!
ولكن كيف استطاع الشيطان أن يتسلل إلى قلب آدم -وبنيه من بعده- فيصرفهم عن الشكر الواجب .."وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ"؟
هنا تبين لنا القطة نقطة الضعف في كيان آدم، التي يتسلل منها الشيطان:
"وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ..." [8] .
هذه هي مسألة المسائل في حياة آدم .. وبنيه .. وتلك هي"نقطة الضعف"العظمى في ذلك الكيان الموهوب بشتى المواهب والقدرات!
إن"الممنوع"يتحول في الحال إلى"شهوة".. ومن الشهوة يتسلل الشيطان!
لقد أبيح لآدم وحواء كل ثمار الجنة ما عدا شجرة واحدة ممنوعة ..
ولكن هذه الشجرة الواحدة الممنوعة صارت هي موضع التطلع والرغبة .. وصغرت إلى جانبها كل الثمار!
وهنا تسلل الشيطان في فرصته السانحة لينفذ ما توعد به آدم من قبل .. ليخرجه مثله من الجنة!
(1) جاء في سورة البقرة"وعلم آدم الأسماء كلها".
(2) سورة الأعراف: 11.
(3) سورة الكهف: 50.
(4) سورة الأعراف: 12.
(5) سورة الأعراف: 12.
(6) سورة الأعراف: 14 - 15.
(7) سورة الأعراف: 16 - 17.
(8) سورة الأعراف: 19 - 22.