الصفحة 88 من 379

"قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [1] .

ذلك هو التفسير الرباني للعبادة التي خلق الإنسان من أجلها، ومن أجلها وحدها:"اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا""قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"..

إن العبادة ليست فقط كما يتبادر إلى وهمنا أحيانًا هي الشعائر التعبدية التي يقوم بها الإنسان في أوقات محددة من النهار والليل كالصلاة، أو أوقات محددة من العام كالصيام والزكاة، أو مرة واحدة في العمر لمن استطاع كالحج!

وما يمكن أن تكون هذه الشعائر المحدودة، التي تستغرق ذلك الوقت المحدود، هي كل"العبادة"التي خلق الله الإنسان من أجلها .. وإلا فما حكم بقية الوقت الذي لا يقوم فيه الإنسان بهذه الشعائر؟

إنما العبادة هي العمل شكرًا لله -أي بتقوى لله وذكر لله- وهي أن تكون الصلاة والنسك والحياة والممات كلها لله!

بذلك يستقيم معنى العبادة، ويتضح معنى التكليف!

كل عمل .. كل عمل على الإطلاق يقوم به الإنسان وقلبه متوجه إلى الله، شاكر لأنعمه التي تفضل بها عليه .. فهو هو العبادة لله!

الصلاة والنسك .. والحياة بما حوت من العمل والحركة والنشاط .. إلى آخر قطرة من الحياة حين يجيء الموت .. حين يتوجه بها القلب لله، ويبتغي بها رضاه .. وحده دون شريك، أي حين يلتزم فيها بأوامر الله .. فهذه هي العبادة لله .. وهذا هو الدين القيم والصراط المستقيم، الذي هُدِيَ إليه الأنبياء من قبل، وأمرنا نحن باتباعهم فيما هداهم الله إليه ..

وبذلك تتضح رحمة الله بالخلق .. إنه لا يكلفهم فوق طاقتهم! إنه يكلفهم شيئًا واحدًا تتحقق به العبادة الصحيحة التي طلبها منهم وكلفهم بها حين خلقهم: أن يكونوا في كل أعمالهم ذاكرين لله شاكرين لله، ملتزمين بأوامر الله سواء كان هذا العمل نسكًا وصلاة، أو مالًا تقوم به الحياة، أو صنعة تتقدم بها الحياة، أو علمًا ييسر الحياة، أو زينة طيبة مباحة تجمل بها الحياة!

ما أيسر التكليف! .. وما أصعبه في آن!

فلننظر من أين جاءت الصعوبة في ذلك التكليف البالغ اليسر .. أو بعبارة أخرى فلننظر لم لا يشكر الإنسان؟!

نمضي مع قصة الخلق، تفسرها بقية الآيات في القرآن، فنجد أن الله حين نفخ في هذا الإنسان من روحه قد وهب له مواهب جمة، لم يهبها لمخلوق آخر:

"وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [2] .

والسمع ليس مجرد الأذن التي تسمع -وإن كانت هذه من نعم الله ولا شك- ولكنها التي تسمع وتعي. والأبصار كذلك، ليست مجرد الأعين التي تبصر، وإن كان مجرد الإبصار نعمة من نعم الله الكبرى، ولكنها الأعين التي تبصر فتعي ما تبصر، وتدرك دلالته وما وراءه من حكمة ..

والأفئدة -وكذلك القلوب- تذكر دائمًا في القرآن بمعنى القوة الواعية المدركة، والإرادة الضابطة كذلك.

"لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا" [3] .

"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" [4] .

ثم، كما جاء في سورة العلق،"عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" [5] .

(1) سورة الأنعام: 161 - 163.

(2) سورة النحل: 78.

(3) سورة الأعراف: 179.

(4) سورة الحج: 46.

(5) سورة العلق: 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت