الصفحة 87 من 379

فمتى يقوم الإنسان بعمارة الأرض -إذا كانت عمارة الأرض خارجة عن معنى العبادة التي اقتصر عليها الهدف من خلق الإنسان -وهي تستغرق الوقت والجهد، وتشغل الإنسان مشغلة جمة، سواء في استخراج الطاقات المكنونة في الكون واستخدامها في عمارة الأرض، أو في"تنظيم"شئون هذه العمارة، وهي محتاجة إلى تنظيم سياسي وتنظيم اقتصادي وتنظيم اجتماعي وتنظيم فكري؟!

ومتى يمشي الإنسان في مناكب الأرض أو يخوض البحر ليبحث عن الرزق كما يأمره القرآن، مرة بقوله:"وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ"ومرة بقوله"لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ".. وابتغاء فضل الله هو البحث عن الرزق سواء ..

بل متى يسعى إلى"الزينة"التي أحلها الله لعباده وقررها لهم بوصفها لونًا من ألوان نشاطهم المشروع:

"وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا" [1] .

"وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً" [2] .

"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ .." [3] .

"يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ" [4] .

بل إن في الكون والحياة والأحياء"جمالًا"يلفت الله نظر عباده إليه، ويمن عليهم بخلقه لهم:

"وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [5] .

فمتى يتذوق الإنسان هذا"الجمال"إن كان خارجًا عن معنى العبادة التي خلق الإنسان من أجلها .. ومن أجلها وحدها!

بل إن نبيًا من الأنبياء هو داود عليه السلام يُعلِّم"صنعة"من الصنائع فيمن الله بها على عباده:

"وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ" [6] .

فما وضع هذه الصنعة -أو غيرها من الصنائع- من"العبادة"؟ هل هي داخلة فيها أم خارجة منها؟ وهل هي ملتقية أم متعارضة معها؟ وأين"وقتها"من هذه العبادة التي تستغرق حياة الإنسان كلها كما هو المفهوم من سورة"الذاريات"؟

لا بد إذن -ما دامت هذه كلها أوامر ربانية، أو مباحات أو مندوبات ربانية- أن تكون كلها داخلة في العبادة التي خلق الله الإنسان من أجلها، ومن أجلها وحدها! وإلا كان معنى ذلك -وحاشا لله أن يكون- أن الله يخلق الإنسان للعبادة وحدها، وإلا كان معنى ذلك -وحاشا لله أن يكون- أن الله يخلق الإنسان للعبادة وحدها، ويعلنه بذلك ويكلفه به، ثم يكلفه أن يصنع أشياء تخرج به عن عبادته، فيقع في معصية الله حين يطيع أمر الله!

كلا! لا يكون ذلك أبدًا ..

إنما الذي تبينه آيات القرآن مجتمعة أن عمارة الأرض جزء من عبادة الله، وابتغاء الرزق جزء من عبادة الله، واستخدام الزينة الطيبة جزء من عبادة الله، وتذوق الجمال والبحث عنه في ملكوت الله جزء من عبادة الله، وتعلم الصنائع المختلفة جزء من عبادة الله .. جزء أصيل منها لا على هامشها -فضلًا عن أن يكون متعارضًا معها- ما دام تكليفًا من عند الله، أو أمرًا ندبه الله أو أباحه الله ..

ولكن كيف نوفق إذن بين هذا التعارض الذي يسبق إلى وهمنا بين"العمل"و"العبادة"؟ إن القرآن هو الذي يبين لنا، ويجيب على تساؤلنا:

"اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" [7] .

(1) سورة النحل: 14.

(2) سورة النحل: 8.

(3) سورة الأعراف: 32.

(4) سورة الأعراف: 31.

(5) سورة النحل: 5 - 7.

(6) سورة الأنبياء: 80.

(7) سورة سبأ: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت