الصفحة 86 من 379

غير أنه في اللحظة التي يشتد فيها لصوقه بالطين حتى نقول إنه كالحيوان يكون في الواقع أسوأ من الحيوان:"أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ"لأن الحيوان لا إرادة له ولا وعي فيما يفعل، وليس له إلا طريق واحد يسلكه هو طريق الجسد ودفعة الغريزة، ولكن الإنسان له سمع وبصر"وفؤاد".. سمع يسمع به ليعقل، وبصر يبصر به ليعي، وفؤاد أي عقل وإرادة ضابطة يتحكم بها في تصرفاته .. فحين لا يُعْمِل هذه الأدوات كلها يكون أضل من الحيوان:"لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [1] .

وحين يشتد علوه حتى نقول عنه إنه مثل الملك يكون في الواقع أفضل من الملك:"وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" [2] لأن الملك يعبد الله دون أن يملك عصيانه! وليس له إلا طريق واحد يسلكه هو طريق الروح والعبادة والطاعة .. أما الإنسان ففي كيانه دوافع لا تفتر، ورغبات لا تكفّ، وله طريقان يمكن أن يسلكهما لا طريق واحد:"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" [3] "وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [4] فحين يعمل -بإرادته- على تزكية نفسه حتى تستقيم على الطاعة، يكون في مرتبة أعلى من الملك الذي يطيع، وهو لا يستطيع ألا يطيع، ولا يجد في كيانه ما يدفعه إلى العصيان!

ذلك من حيث خلق آدم، وطبيعته المزدوجة الناشئة من دخول عنصرين اثنين في تكوينه: قبضة الطين ونفخة الروح، وما نشأ عن ذلك من وجود طريقين اثنين أمامه لا طريق واحد: طريق الطاعة وطريق العصيان، طريق التزكية وطريق التدسية، طريق الهدى وطرق الضلال .. أولهما يكون حين تكون الروح -في الكيان الموحد المترابط- هو صاحبة السلطان، والآخر يكون حين يكون الجسد -في الكيان الواحد المترابط- هو صاحب السلطان .. ولكنه في كل حالاته روح وجسد مترابطان لا ينفصلان!

أما من حيث الهدف من خلق آدم فيبينه القرآن بوضوح:

"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [5] .

فالإنسان إذن مخلوق ليعبد الله .. وليست له مهمة غير ذلك! فالنفي والاستثناء:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"معناه القصر: قصر الهدف من خلق الإنس والجن على العبادة وحدها ولا شيء إلى جانبها! وتلك آكد صيغ القصر في اللسان العربي. ولكنا نرى -في القرآن كذلك- أهدافًا لخلق الإنسان قد تبدو لنا لأول وهلة متعارضة مع هذا القصر الذي تحدثنا عنه، أو خارجة عنه!

"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" [6] أي كلفكم بعمارتها ويسّر لكم طريق عمارتها.

"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ" [7] .

"وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [8] .

"رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" [9] .

(1) سورة الأعراف: 179.

(2) سورة الإسراء: 70.

(3) سورة البلد: 10.

(4) سورة الشمس: 7 - 10.

(5) سورة الذاريات: 56.

(6) سورة هود: 61.

(7) سورة الملك: 15.

(8) سورة النحل: 14.

(9) سورة الإسراء: 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت