فحتى تلك الرقعة المعتمة لم تخل من عنصر الروح .. وحتى تلك اللحظة الشفيفة لم تخل من قبضة الطين!
إن امتزاج هذين العنصرين في كيان واحد مترابط متكامل لا ينفصل منه جزء عن جزء، قد أعطى الإنسان صورة متفردة في أعماله وأحواله تتميز عن الكائنين المماسين له من هذا الجانب وذاك -الملك والحيوان- وإن تشابه في نقطة التماس مع هذا وذاك .. مجرد تشابهة فقط، ولكنه ليس تماثلًا هنا أو هناك ..
في لحظة الطعام والشراب والجنس قد يشبه الحيوان .. ولكنه لا يكون حيوانًا أبدًا .. إلا على سبيل المجاز!
الحيوان يأكل حين يجوع، ويكفّ حين يشبع .. والغريزة هي التي تحدد له وقت جوعه. وتحدد له نقطة شبعه التي يكف عندها عن الطعام، كما تحدد له أنواعًا معينة من الطعام لا يتعداها ..
والإنسان يأكل حين يجوع .. نعم، في الغالب! ولكنه قد يأكل كذلك -بإرادته- وهو شبعان! وقد يمتنع عن الطعام -بإرادته- وهو جائع، لأمر من الأمور الصحية أو التعبدية .. أو الاقتصادية! وهو الذي يحدد لنفسه وقت طعامه، والقدر الذي يأكله من الطعام، سواء كان معتدلًا أو زائدًا عن الحد أو أقل من اللازم .. كما أن أنواع الطعام أمامه غير محدودة، وما زال يستحدث منها كل جديد ..
وذلك كله هو أثر النفخة العلوية في قبضة الطين: الوعي والإرادة الضابطة والقدرة على الاختيار ..
والجنس كذلك .. هو عند الحيوان دفعة الغريزة. هي التي تحدد له الموسم المعين للإخصاب. وهي التي تحدد نقطة الانطلاق ونقطة السكون والكف عن النشاط .. لا وعي له في ذلك ولا إرادة ولا اختيار .. وهو عند الإنسان دفعة شبيهة بدفعة الغريزة كذلك. ولكنه حتى في أدنى حالاته ذو هدف محدد -ولو كان المتاع الجسدي- ويصحبه الوعي للهدف المحدد ولطريقة الحصول عليه والتدبير له، ويصحبه الاختيار .. وهو في أعلى حالات عواطف نفسية ومودة ورحمة تصاحب الرغبة الجسدية، والتزام روحي بالحلال والحرام، وهدف واع هو الإحصان من جانب، والذرية الصالحة من جانب .. وهو اختيار دقيق بمواصفات معينة .. وهو في النهاية شيء يذكر عليه اسم الله ..
وذلك كله هو أثر النفخة الروحية في قبضة الطين .. حتى في أقرب اللحظات لصوقًا بقبضة الطين!
والعبادة الروحية الشفيفة من جانب آخر تشبه عبادة الملك ولكنها لا تماثلها، ولا تستطيع أن تماثلها!
الملائكة"يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [1] "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [2] .
والإنسان لا يطيق ذلك ولا يقدر عليه .. وإنما يفتر عن العبادة -ولو رغب فيها- حين يفتر جسده ويكل من الجهد، ثم هو عرضة للخطأ والنسيان والعصيان:"كل بني آدم خطاء! وخير الخطائين التوابون" [3] .
وذلك هو أثر قبضة الطين في نفخة الروح .. حتى في أشد اللحظات اقترابًا من نفخة الروح!
إنما نقول على سبيل المجاز فقط إن فلانًا حيوان أو كالحيوان، حين يشتد لصوقه بالطين حتى ينبهم في ملامحه أثر قبضة الطين .. ولكنه في كلا حاليه"إنسان".. لا ملك ولا حيوان ..
(1) سورة الأنبياء: 20.
(2) سورة التحريم: 6.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب القيامة.