الصفحة 7 من 379

لقد فرغت -أو هكذا بدا لي- من رسم الخطوط العريضة لنظرة الإسلام إلى النفس الإنسانية [1] ..

وبدأت أتجه وجهة جديدة .. وإن كانت بذورها متضمنة في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام".

إن هذا القرآن هو"منهج الحياة"لكل البشرية .. فعلينا إذن أن نستخلص هذا"المنهج"من بين ثنايا الكتاب ..

وقد تحدث الشقيق من قبل عن منهج"العدالة الاجتماعية في الإسلام"..

فلنبحث عن بقية"المناهج"التي تؤلف في مجموعها"منهج الحياة"..

وبغير ترتيب مقصود جاء"منهج التربية الإسلامية"ثم"منهج الفن الإسلامي"ثم"التطور والثبات في حياة البشرية"الذي يمكن أن يكون"منهجًا"لجانب من الدراسة الاجتماعية، فيما يتعلق بالجوانب الثابتة والجوانب المتغيرة من الحياة [2] ..

بغير ترتيب مقصود .. إنما كانت كل دراسة تنضج في نفسي تأخذ طريقها إلى كتاب ..

ولكن الصحبة مع القرآن كانت متجهة كلها في تلك الفترة إلى التنقيب عن تلك"المناهج"التي يتألف من مجموعها"منهج الحياة".

خاطر آخر .. قد يكون نابعًا من ذات الاتجاه ولكنه أخذ صورة خاصة من التعبير .. أعادني إلى صحبة جديدة مع الكتاب ..

ذلك هو خاطر الجاهلية التي يعيش فيها الناس اليوم .. جاهلية القرن العشرين!

إن البحث عن تفصيلات"منهج الحياة"القرآني في الاقتصاد والاجتماع، والتربية وعلم النفس، والفن والفكر .. هو ذاته الذي أدى إلى هذا الخاطر .. أن الناس يعيشون في جاهلية"جذرية"شاملة، أكبر وأعم من هذه التفصيلات .. سببها الأصيل هو رفض اتباع ما أنزل الله، ورفض تسيير الحياة بمقتضى منهج الله.

وهذا -بالذات- هو الجاهلية .. ! هذا الرفض المتعمد لمنهج الله، ولتحكيمه في الحياة!

ومن هنا كانت تلك الجولة الجديدة في صحبة القرآن .. جولة البحث عن"جوهر"الجاهلية، الذي هو المقابل الحقيقي"لجوهر"الإسلام .. ثم دراسة أحوال الجاهليات التاريخية التي أفضت في النهاية إلى جاهلية القرن العشرين .. ودراسة العلاج الوحيد لتلك الجاهلية، وهو الرجوع إلى الإسلام ..

ثم كنا في المعتقل على أثر ذلك فترة طالت إلى سنوات ..

ولم يكن معنا -في معظم تلك الفترة- إلا هذا الكتاب! ثم لم يكن شيء أحب إلينا في تلك الفترة من ذلك الكتاب! نعكف عليه للتلاوة، ونعكف عليه للحفظ، ونعكف عليه للتأمل، ونعكف عليه للعبادة، ونعكف عليه للعبرة، ونعكف عليه للخلاص من ضيق القيد إلى سعة العيش في رحاب الله .. مع كتاب الله!

ورغب إليّ الإخوة -حين"استقر"بنا المقام في المعتقل"أن تكون لنا دروس في القرآن!"

وقبلت المهمة مشفقًا على نفسي من جسامتها! .. فكل دراستي في القرآن من قبل كانت من زوايا محددة اخترتها لنفسي .. زاوية نفسية أو زاوية تربوية أو زاوية فنية .. الخ. أما القرآن ككتاب شامل، فأمر لم أفكر في التعرض له قط، وما كنت في حاجة إلى التعرض إليه في وجود من يقوم بهذه المهمة بالفعل ويخرجها"في ظلال القرآن".

ولكن إلحاح الإخوة هو الذي دفعني إلى التعرض لشيء ليس في خط تفكيري أن أتعرض له بحال ..

ثم كانت -من خلال تلك الدروس- جولة جديدة مع القرآن .. جديدة علي فعلًا! وإن كان ينبغي أن تكون من البديهيات! ولكن كم من البديهيات لا يراها الإنسان على حقيقتها حتى يمارسها بالفعل، أو يتيقظ لها لسبب من الأسباب؟!

(1) عدت إلى الموضوع فيما بعد بصورة أكثر تفصيلًا في كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".

(2) هناك بحث آخر عن"منهج الإسلام الأخلاقي"ألقيته في صورة محاضرات على طلبة معهد الدراسات الإسلامية سنة 1964 - 65 ولم يأخذ بعد صورة الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت