لقد درست القرآن من قبل، من تلك الزوايا المحددة، فكنت أخرج بنتائج محددة في كل مرة: أن هذا الدين المعحز، الذي كتابه القرآن، عملاق ضخم في كل زاوية يدرس منه ..
عملاق ضخم في منهجه الاقتصادي .. عملاق ضخم في منهجه التربوي .. عملاق ضخم في نظرته للنفس البشرية .. عملاق ضخم في منهجه الأخلاقي .. عملاق ضخم في نظام الأسرة .. عملاق ضخم في منهجه السياسي .. وهكذا وهكذا في كل مجال، بحيث تبدو المناهج البشرية إلى جواره أقزامًا ضئيلة، فوق أنها ممسوخة الكيان ..
هذا بدا لي واضحًا وضوحًا كاملًا من قبل، وصار عندي من البديهيات ومن المسلمات ..
وكانت تتمثل له في خاطري صورة مجسمة [وتلك عادتي مع كثير من الأفكار!] : صورة دائرة ذات مركز ومحيط. في مركزها تقف على التوالي أقدام مجموعة من العمالقة رءوسهم واصلة إلى المحيط، موزعة على ذلك المحيط، كل يحتل مساحة من الدائرة، هذا يمثل المنهج الاقتصادي، وهذا يمثل المنهج السياسي، وهذا يمثل المنهج الاجتماعي .. كلهم متساوون في الحجم .. كلهم متشابهون في السمات! بحيث لو أدرت الدائرة في أي وضع لبدا أمامك عملاق واقف على الدوام!
ولكن شيئًا جديدًا بالمرة تبين لي في أثناء هذه الدروس .. كان ينبغي أن يكون مسلمة من المسلمات .. ولكنه -بالحق- لم يكن كذلك في حسّي حتى تبينت حقيقته لي .. ففوجئت بها تمامًا .. كما فوجئت من قبل مرات وأنا أصاحب هذا الكتاب!
إنه عملاق واحد مجتمع مترابط، ملء الصورة .. ملء المساحة .. وليس هو أولئك العمالقة المتفرقين الذين وجدتهم من قبل، كل على حدة، كأنه كائن منفصل الحدود!
عملاق واحد شامل! لا تستطيع أن تقتطع قطعة منه فتقول: هذه سياسة. وهذه اقتصاد. وهذه تربية. وهذه فن. وهذه عقيدة. وهذه شريعة!
إن ضرورة البحث العلمي -أو العقلي- وحدها التي جعلتنا نضع تلك الفواصل ونقيم تلك الحدود بين ما هو عبادة وما هو معاملات من قبل في الفقه الإسلامي، ثم بين ما هو سياسة، وما هو اقتصاد، وما هو اجتماع ... الخ، في تفكيرنا الحديث!
ولا شيء من هذه الفواصل موجود في الحقيقة!
إنما هو كتاب واحد شامل! تتداخل فيه هذه وتلك تداخلًا كاملًا لا يمكن فصل بعضه عن بعض، كما لا يمكن فصل جزء من الجسم الحيّ عن جزء إلا لضرورة البحث العلمي فحسب!
صحيح أنك -في الجسم- تقول: هذه يد. وهذه ذراع. وهذه عين، وهذه سن .. ولكنها متصلة اتصالًا وثيقًا رغم تميزها الظاهر .. بحيث لا يمكن أن تقطع إحداها وحدها وتول: هذه يد، وهذه ذراع، وهذه عين، وهذه سن .. إلا أن تنتزعها من الجسم الحي، وعندئذ تموت!
هناك وشائج تجمّع الكل .. هناك دم يسري في الكل .. هناك أعصاب تربط الكل وتعطي كل جزء إحساسه بالجزء الآخر.
القرآن كذلك! ولله المثل الأعلى.
كتاب واحد شامل!
صحيح أنك تقول: هذه آية من آيات الأحكام. هذه آية تنظم روابط الأسرة. هذه آية تتحدث عن نعم الله على الإنسان. هذه آية تلفت الحس إلى تدبر آيات الله في الكون ..
وأنت في كل ذلك صادق ولا شك ..
ولكن أقرأ القرآن جيدًا، وتدبره كما تدبرناه في صحبة هذه الدروس .. لن تجد شيئًا من ذلك كله منفصلًا عن شيء، بحيث تستطيع -إلا في ضرورة البحث العلمي- أن تفصله وحده كأنه كيان مستقل!
هناك وشائج تجمّع الكل .. هناك رباط يربط الكل .. هناك سياق موحد يشمل الكل ..
وذلك هو القرآن!
كم كان ذلك جديدًا -في حسي على الأقل- بينما ينبغي أن يكون بديهيًا في حس كل دارس لهذا الكتاب!
وكم فوجئت -وأنا في تلك الدروس- أن صحبتي الطويلة لهذا الكتاب منذ الطفولة تتجمّع كلها لتعطي الصورة الموحدة الشاملة!