ولا أستطيع اليوم أن أقول أين كانت تقودني قدماي في صحبتي للقرآن لو لم يحدث هذا المنعطف بكتاب"التصوير". ولكن الذي لا شك فيه أن كتاب"التصوير"قد أعطاني دفعة هائلة في اتجاه معين لم أكن لأتجه إليه بغير ذلك الكتاب ..
ومع كتاب آخر من كتب الشقيق، تبدأ جولة جديدة مع القرآن!
ذلك هو كتاب"العدالة الاجتماعية في الإسلام" [1] .
لم يكن الحديث عن"العدالة الاجتماعية"في الإسلام جديدًا على حسّي ولا على تفكيري .. بل لقد كنت في مجادلاتي مع الشيوعيين من قبل أقول لهم -عن إيمان واع- إن الإسلام هو النظام الأفضل، لأنه يعطي العدل الاقتصادي الذي تحصر الشيوعية نفسها فيه، ثم لا ينحصر مثلها في حدوده، ولا يجرد الإنسان من كيان الروحي الأصيل فيه، بل يعطيه جانب الروح وجانب المادة في آن معًا، لا يغفل هذا ولا ذاك .. وإن كان بسط الموضوع في كتاب"العدالة"كان أوسع ولا شك من كل ما فكرت فيه أو وصلت إليه من قبل.
ولكن الجديد حقًا هو فكرة"التوازن"في الإسلام!
لقد كان شيء غامض منها يطوف في فكري وأنا أتحدث مع المجادلين عن الروح والجسد .. والروح والمادة .. والجانب الاقتصادي والجانب الخلقي أو الإنساني ..
ثم كانت ومضة عابرة خطرت لي وأنا أتلقى محاضرة في علم النفس في معهد التربية عن فرويد، فخطر لي يومها أنه بينما تبالغ المسيحية الكنسية في فرض"الكبت"على دوافع الإنسان الفطرية، ويبالغ فرويد في المطالبة بالانفلات من كل قيد .. يقف الإسلام موقفًا"متوازنًا"في نقطة الوسط، فلا يكبت الدوافع الفطرية كما تصنع الكنيسة، ولا يطلق الإنسان من عقاله كما يصنع فرويد .. ثم كانت تأملات عابرة كذلك في القرآن حول هذا الخاطر السريع.
ولكن كتاب"العدالة الاجتماعية في الإسلام"أبرز فكرة"التوازن"إبرازًا واضحًا كأصل من أصول الإسلام العاملة الشاملة، بصورة لم تكن تخطر لي من قبل على بال!
ومن هنا عدت إلى القرآن من جديد .. أبحث فيه عن فكرة"التوازن على خطّي الخاص الذي أتجه إليه، وهو خط"الدراسات النفسية".."
عدت إلى دراسة قرآنية من نوع جديد .. دراسة لمحاولة استخلاص نظرية إسلامية عن النفس الإنسانية!
لقد كان يعز عليّ أن أسمع سخافات فرويد عن النفس الإنسانية تلقى على طلبة معهد التربية كأنها كلام منزل لا تنبغي مناقشته! ثم يعز عليّ أنه ليس في يدي -ولا في أيدينا- تصور متميز، نقدمه بدلًا من هذه السخافات! وتمنيت لو أن إنسانًا ما، استطاع أن يقدم يومًا هذه النظرية الإسلامية المتميزة، التي كانت خيوطًا متفرقة تخطر في ذهني دون أن تتجمع في شكل واضح مبلور .. ولكن الموضوع كان يشغلني دائمًا لا أستطيع أن أكف عن التفكير فيه.
وكان كتاب"العدالة الاجتماعية"نقطة تحول في تفكيري ..
لقد بدأت الخيوط المتفرقة تتجمع في ذهني حول نواة معينة محدودة واضحة .. هي"التوازن".
وبدأت أدرس القرآن بحثًا عن مزيد من هذه الخيوط، وشواهد جديدة على"التوازن"الأصيل في بنية الإسلام ..
وعلى الرغم من أنني وقتها لم أفكر أبدًا في الكتابة ولا التأليف .. ولا أن أكون أنا الذي يقدم للناس شيئًا عن الإسلام على الإطلاق .. فإن الفكرة ظلت تشغلني مشغلة جادة .. حتى دفعتني دفعًا إلى تسجيلها في كتابي الأول"الإنسان بين المادية والإسلام"..
ثم بدأت صحبتي للقرآن تأخذ منحى آخر ..
(1) يرى الشقيق أن هذا الكتاب قد فات أوانه، ولم يعد من كتبه الصالحة للقراءة .. ولكني هنا أتحدث عن تأثراتي الخاصة في فترات معينة من العمر.