"سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ" [1] .
إنما التسليم لقدر الله معنى آخر مختلف تمامًا .. فهمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفهمه منه الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت منهم تلك الأمة الفريدة التي وصفها خالقها بقوله سبحانه:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [2] والتي صنعت بإيمانها بالله وقدر الله ذلك التاريخ الفذ في تاريخ البشرية كله.
فهم منه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجاهد ويجاهد ويجاهد .. ثم حين لا يؤمن كفار قريش بعد هذا الجهاد كله، فذلك قدر من الله لا حيلة له فيه، ولا مسئولية عليه!
"وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ" [3] .
"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [4] .
ولقد كان صعبًا على نفس الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعوهم فيعرضوا، وهو الذي يحب لهم الخير، وكان الأسى يملأ قلبه الكريم عليهم حتى ليواسيه الله تعالى:
"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ" [5] .
"لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [6] .
"وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ" [7] .
"وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ" [8] .
ولكنه في النهاية يعلم أنه قدر من الله فيستسلم لهذا القدر .. بمعنى ماذا؟ بمعنى أن يكف عن الجهاد والدعوة؟ إن هذا لم يحدث قط .. والتاريخ معروف، وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- معروفة .. إنما بمعنى أن يخف الألم الذي يسببه له إعراض المعرضين، فلا يعود ذلك الألم القاتل:"لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"ثم يمضي في طريقه لا يكف لحظة عن الجهاد ..
كذلك فهم منه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يجاهد ويجاهد ويجاهد .. ثم يتلقى الأذى من قريش وغيرهم من كفار العرب، ويتلقى أتباعه المؤمنون به التشريد والتعذيب الذي يفوق الطاقة دون أن يستطيع تغيير الوضع، ولا كف الأذى عن المؤمنين .. فيعلم أن هذا قدر من الله فيستسلم له .. بمعنى ماذا؟ بمعنى أن يكف عن الجهاد والدعوة، أو يكف أتباعه -معاذ الله- عن الإيمان؟! كلا! إنما بمعنى أن ترضى نفوسهم وهم يتلقون الأذى والتعذيب، ويعلمون أن الله قادر على نصرهم إذا شاء، ولكن قدره شاء الآن أن يبتليهم .. فليصبروا .. ولا تتحطم أرواحهم تحت الضغط .. ولا يتخلوا عن عقيدتهم، ولا عن التصميم عليها، حتى يغير الله ما بهم بقدر جديد، فينصرهم على الكافرين ..
وكيف نفذ القدر الجديد؟
إنه قدر من عند الله نعم هو الذي نصرهم ببدر وهم أذلة .. ولكن كيف كان تصرفهم مع هذا القدر؟
هل قعدوا في بيوتهم وقالوا: إذا كان الله قدر لنا النصر فسينصرنا. ولا حاجة بنا إلى العمل والجهاد والمشقة؟!
(1) سورة الأنعام: 148.
(2) سورة آل عمران: 110.
(3) سورة الأنعام: 35.
(4) سورة القصص: 56.
(5) سورة فاطر: 8.
(6) سورة الشعراء: 3.
(7) سورة النحل: 127.
(8) سورة الحجر: 97 - 99.