الصفحة 69 من 379

هل ذكر التاريخ شيئًا من ذلك في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؟ أم ذكر التاريخ لهم الجهاد المتواصل لنصرة الحق، وهم الذين وُعدوا وعدًا صريحًا بالنصر، فعلموا أن قدر الله لهم هو النصر؟!

"وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ" [1] .

"وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ .." [2] .

انظر هاتين الآيتين من سورة الأنفال:

"وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ، وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ..." [3] .

إن الآية الأولى تقرر قدر الله في الأمر: إن الذين كفروا لن يسبقوا. ولن يعجزوا الله. أي أنهم لن ينتصروا. والآية التالية مباشرة تأمر المؤمنين بأن يعدوا للكفار ما استطاعوا من قوة لكي يتم هذا النصر المقرر في قدر الله. فعلى الرغم من أنه قدر مقدور، فإنه لا بد من هذا الجهد البشري لكي يتحقق وينفذ.

"إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ" [4] .

على هذا النحو كان المسلمون الأوائل يفهمون عقيدة القضاء والقدر ويمارسونها .. إنها السعي الدائم لتنفيذ أوامر الله .. ثم التسليم بما يقع بالفعل على أنه قدر من الله، لأنه لا يتم في الكون كله إلا ما أراده الله وقدّره، وليس معنى التسليم الكف عن المضي في الطريق. بل معناه أن الصدمات لا تحطم قلوب الممؤمنين، حين يصطدمون بقدر من عند الله لا يجلب لهم الخير الذي يحبون، إنما يجلب عليهم -في تقديرهم- الشر (بمعنى الضر) وإنما يقومون من صدمتهم بذات العزيمة فيمضون في الطريق، في انتظار قدر جديد من عند الله .. كذلك فعلوا حين وقعت بهم هزيمة أحد -بقدر من الله- فلم يستسلموا للهزيمة، إنما استسلموا لقدر الله بالهزيمة. وفرق هائل بين الاثنتين. استسلموا لقدر الله بالهزيمة أي لم يتحطموا إزاءها .. ثم لم يستسلموا للهزيمة لأنهم خرجوا للقتال بعدها مباشرة وهم مثخنون بالجراح:

"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ" [5] .

وهكذا يكون الاستسلام لقدر الله -في معناه الإسلامي الصحيح- حافزًا لمزيد من الجهد، لأنه يصون الطاقة أن تتحطم إزاء الأحداث، ويصون النفوس أن تنكسر من الحزن والغم فتقعد عن المسير:

"لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ .." [6] .

كذلك لم يفهم المسلمون أن الاستسلام لقدر الله معناه إعفاء أنفسهم من التبعة إذا كان قدر الله قد أصابهم بسبب خطأ وقع منهم. إنما يستسلمون لقدر الله أي يرضون نفسيًا بوقوعه ما دام قد وقع بالفعل، ثم يدركون مسئوليتهم في وقوعه. فلا يعودون لهذا الخطأ مرة أخرى، ثم يحاولون أن يمحوا آثاره بجهد يبذلونه من عند أنفسهم، ليستحقوا قدرًا جديدًا من عند الله، يغير الشر إلى خير ..

(1) سورة الصف: 13.

(2) سورة الفتح: 20.

(3) سورة الأنفال: 59 - 60.

(4) سورة محمد: 7.

(5) سورة آل عمران: 172 - 174.

(6) سورة آل عمران: 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت