الصفحة 67 من 379

ومن هنا فإن الإيمان بالملائكة يؤدي"مهمة إيمانية"في حياة المؤمن، تتصل بالإيمان بالله، في الاعتقاد والسلوك سواء، بالإضافة إلى تلك السعة النفسية التي يكتسبها الإنسان حين يتفسح أمامه عالم الكائنات، فلا يقتصر منها على ما تدركه حواسه فحسب .. وإنه على قدر سعة العالم الذي يرتاده الإنسان بخواطره تكون فسحة نفسه وقدرته على المشاعر العالية التي لا تنحصر في حدود الأرض الضيقة، ولا في حدود الحياة الدنيا، ولا في حدود ذات الإنسان .. وإن تلك السعة ذاتها لمن إرادة الله للمؤمن الذي يحمل الأمانة ليحسن حملها ويكون أقدر على تصور أبعادها ..

وبالإضافة كذلك إلى الإحساس بعظمة الخالق الذي يخلق هذه الكائنات العلوية الشفيفة:

"الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [1] .

وأما الإيمان بالقدر خيره وشره فهو كذلك يؤدي في حياة المؤمن عدة مهام ...

فهو من ناحية يتصل بالإيمان بذات الله سبحانه، وبأنه هو المدبر لكل أمر، المتصرف فيه بلا شريك .. أي أنه متصل بالجانب الاعتقادي من الإيمان ..

ومن ناحية أخرى يتصل بسلوك المؤمن في واقع الأرض إزاء الأحداث ..

وهذا أمر ذو أهمية بالغة، ويستحق منا وقفة لبيان حقيقته، بعد أن شوهها واقع المسلمين المنحرف من جهة، وكلام أعداء الإسلام من جهة ثانية، ثم -من جهة ثالثة- كلام الجهال من المسلمين، سواء كانوا من الجهال حقيقة، أم من الذين ينقلون كلام أعداء الإسلام ثم يصفون أنفسهم بأنهم"مثقفون"!

إن السلوك الإيماني الصحيح هو"التسليم"لقدر الله.

فما معنى التسليم؟

هل هو -كما يقول أولئك الجهال- القعود عن العمل والقعود عن تغيير الواقع السيء لأنه"قدر من عند الله"لا ينبغي مقاومته؟

ومن أين جاء أولئك الجهال بهذا المعنى الغريب على الإسلام؟!

وهل هذا المعنى كان غائبًا عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يتلقى الوحي من الله، ويتعلم الإسلام الصحيح من عند الله؟

وفيم إذن كان جهاده المتواصل لتغيير الواقع السيّئ الذي كانت عليه الجزيرة العربية والأرض كلها وقتذاك؟!

ألم يكن ذلك الواقع السيئ قدرًا من عند الله؟ فكيف تجوز مقاومته إذن إذا كان معنى التسليم لقدر الله هو هذا المعنى المنتكس الذي لم تعرفه الأمة الإسلامية إلا في عصر انحدارها وتدهورها؟

سيقول قائل منهم: إنه -صلى الله عليه وسلم- قاومه وسعى إلى تغييره بأمر من الله!

ونقول: نعم! وهذا الأمر من الله قائم من ذلك الحين ومستمر إلى أن تقوم الساعة .. لم يطرأ عليه تعديل ولا تبديل! ولم يقل الله سبحانه وتعالى: إن هناك أمدًا معينًا يطالب الناس فيه بالتغيير، ثم يبطل بعد ذلك الأمر، ويجيء بدلًا منه"التسليم"للواقع السيّئ والقعود عن تغييره!

لم يقل الله ذلك، وإنما قال سبحانه:

"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" [2] .

وقال:

"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" [3] .

والله هو الذي يندد بالكفار الذين يشركون ثم يقولون إننا مشركون بقدر من الله! ومستسلمون في شركنا لقدر الله!:

(1) سورة فاطر: 1.

(2) سورة التوبة: 105.

(3) سورة آل عمران: 139 - 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت