ولقد كان مكان ذلك الحديث هو الكلام عن السور المدنية وعرض نماذج منها .. ولكنا آثرنا أن نستكمل الحديث عن العقيدة هنا، ثم نشير إليه بعد ذلك مجرد إشارة حين يقتضي السياق.
أما الإيمان بالملائكة فهو يؤدي مهمة مزدوجة أو جملة مهام في وقت واحد ..
فجبريل عليه السلام هو الذي نزل بالوحي على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن ثم فالإيمان بجبريل -وهو أحد الملائكة- والشعور بالحب والمودة له، جزء من الاعتقاد اللازم للمؤمن، كالإيمان بصدق القرآن سواء، حتى لا يداخله شك في الطريق الذي وصل به إلينا القرآن.
ثم إن الملائكة عامة ذات صداقة ومودة للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة:
"الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [1] .
"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ" [2] .
"... أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ، سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ" [3] .
ثم إن منهم الحفظة الذين يسجلون على الإنسان أعماله:
"وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ" [4] .
"سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ .." [5] .
"وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ" [6] .
ومعرفة ذلك كله تؤنس قلب المؤمن بتلك المودة النورانية التي تحسها الملائكة نحوه. كما أنه يحاول أن يلتزم بالسلوك الذي يفرضه عليه الإيمان، حتى لا يسجل الحفظة عليه إلا كل طيب من الأفكار والمشاعر والسلوك ..
(1) سورة غافر: 7 - 9.
(2) سورة فصلت: 30 - 32.
(3) سورة الرعد: 22 - 24.
(4) سورة الأنعام: 61.
(5) سورة الرعد: 10 - 11.
(6) سورة الانفطار: 10 - 12.