الصفحة 65 من 379

"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [1] .

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ" [2] .

ثم جاء في حق أهل الكتاب:

"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" [3] .

إنه لا بد للمؤمن إذن أن يدخل في"الأمة المؤمنة"من لدن آدم إلى نوح .. إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-. ويحس أنه واحد من هذه الأمة المتجانسة على مدى التاريخ وإن اختلفت ألوانها وألسنتها وأمكنتها وأزمنتها. ولا بد له كذلك أن يؤمن بوحدة الطريق الذي سلكته هذه الأمة في أطوارها المتوالية وأجيالها المتعاقبة .. إنه طريق واحد: طريق الله. وأن الرسل جميعًا أرسلوا من عند الله، وبلغوا ما أوحى إليهم من عند الله .. إله واحد، وعقيدة واحدة، وطريق واحد، وإن اختلف الرسل كل بلسان قومه وكل في مكان بعينه .. ولكن وجهتهم جميعًا واحدة، كلهم يلتقون في الله، وأممهم كلها تلتقي كذلك في الله ..

من تمام الإيمان إذن أن يشعر المؤمن بتلك الأخوة مع المؤمنين السابقين، وبتلك الوحدة على طريق الإيمان .. المؤدي إلى الله.

ولكن هذه الأمة الخاتمة بصفة خاصة يلزمها ذلك الإيمان بالرسالات السابقة والرسل السابقين!

إنها الأمة الخاتمة والأمة المهيمنة .. كما أن كتابها هو الكتاب الأخير والكتاب المهيمن:

"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .." [4] .

ومن واجب الأمة الخاتمة والمهيمنة ألا يكون في صدرها حرج من الكتب السابقة ولا من الأقوام المؤمنين بتلك الكتب، الذين علم الله أنهم سيدخلون في ولاية هذه الأمة وسلطانها .. لأن دور الهيمنة والقيادة الذي خلقت له هذه الأمة:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [5] ذلك الدور يستدعي أن تفسح صدرها للأمم السابقة كلها، التي ستدخل تحت سلطانها، فتعاملها بالتسامح اللائق بالأمة الرائدة القائدة .. وبالتسامح الذي يرغبها في حكم الإسلام، إن لم يرغبها -كذلك- في عقيدة الإسلام!

ولقد كان كذلك بالفعل تاريخ هذه الأمة مع من دخل في ذمتها من اليهود والنصارى، إذ لقوا من التسامح الديني ما لم يلقوه قط في التاريخ، وما لم يلقه بعضهم من بعض في كل التاريخ!

وتلك مزية حبا الله بها تلك الأمة الخاتمة، وكان طريقها هو ذلك الإيمان بالرسالات السابقة والرسل السابقة، فتعاملت مع أتباعهم بذلك التسامح الكريم برغم علمها بما حرفوا في دينهم وكتبهم .. ولكن تنفيذًا لأوامر الله التي ميزت"أهل الكتاب"بمعاملة خاصة وهم في ذمة المسلمين.

(1) سورة البقرة: 285.

(2) سورة المائدة: 59.

(3) سورة النساء: 150 - 152.

(4) سورة المائدة: 48.

(5) سورة البقرة: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت