الصفحة 64 من 379

أما قضية الوحي والقرآن والنبوة فهي من جهة متصلة بالتصور الصحيح لحقيقة الألوهية. فإنه لا يكون إنسان قد تصور الله على حقيقته إن تصور أنه -سبحانه- لا يستطيع أن ينزل الوحي على من يشاء من عباده، ولا أن يبعث رسولًا، ولا أن ينزل عليه كتابًا من عنده .. ولكنها قد تكون أكثر اتصالًا بالجانب السلوكي أو الاتباعي من قضية لا إله إلا الله .. ذلك أن الإيمان الحق بلا إله إلا الله معناه طاعة الله، واتباع أوامره ونواهيه، وتحكيم شريعته فيما يحرم وما يحل. ووسيلة ذلك كله هي الرسول الذي يبعثه الله ليبين للناس ما فرض الله عليهم من تكاليف، وما ألزمهم به من عبادات [1] .. فلا يستقيم الجانب السلوكي من الإيمان بلا إله إلا الله، إلا بالإيمان بالوحي والنبوة والكتاب المنزل. ولذلك كانت شهادة المسلم:"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".. وبغير ذلك لا يستقيم الإيمان في التصور ولا في السلوك ..

ذلك ما كان من شأن ما يتنزل من القرآن في مكة في هذه القضايا مع العرب المشركين ..

ولكنا نرى أن هذه الأمور جزء من العقيدة ذاتها .. بصرف النظر عن أولئك العرب المشركين! فإنه يقال للمؤمنين في المدينة، بعد أن زال عنهم التصور المنحرف ودخلوا في التصور الصحيح والسلوك الصحيح:

"لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ" [2] .

إذن فالإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين (والقدر خيره وشره) .. تذكر لذاتها، لأنها جزء من العقيدة، كالإيمان بالله واليوم الآخر سواء .. فأي دور تؤديه هذه الأشياء في عقيدة المسلم؟

فأما الإيمان بنبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والإيمان بالوحي المنزل عليه، والكتاب الذي نزل عليه من عند الله .. ؟ فبديهي أنها كلها من ضرورات الإيمان؛ فبغير الإيمان بالقرآن، وأنه هو كلام الله الموحى إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-، لن يكون هناك"سلوك إيماني"محدد؛ لأن القرآن هو الذي يحدد معالم ذلك [والسنة مكملة وشارحة] . والإيمان -كما علمنا- ليس مشاعر فقط- ولو كانت مشاعر توحيد خالص -وإنما هي، إلى جانب المشاعر، سلوك واقعي واتباع عملي لمنهج محدد منزل من عند الله.

وأما الإيمان بالرسالات السابقة والكتب المنزلة من قبل القرآن، فقد ورد ذكره أكثر من مرة بوصفه شرطًا ضروريًا من شروط الإيمان:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا" [3] .

"قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ .." [4] .

(1) "وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ": النحل: 44.

(2) سورة البقرة: 177.

(3) سورة النساء: 136.

(4) سورة البقرة: 136 - 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت