الصفحة 63 من 379

على هذا النسق الذي ذكرنا نماذج منه يجري الحديث في السور المكية عن البنين والبنات والشركاء، وعن القرآن والوحي والنبوة .. وكلها كما ذكرنا متصلة بأصل العقيدة في الله. وكلها يجيء في سياق التعريف بالمعنى الحقيقي للا إله إلا الله.

إن الاعتقاد بوجود آلهة أخرى مع الله -صغيرة أو كبيرة- فوق مخالفته للحقيقة الربانية، يحدث سلوكًا غير إيماني في واقع الأرض. فالسلوك دائمًا مرتبط بالتصور. وحين يتصور الإنسان أن هناك آلهة مع الله، تشاركه في أي صفة من صفاته، وتشاركه في تدبير الأمر وتصريفه، فسيكون الولاء موزعًا دون شك بين الله وبين هذه الآلهة المدعاة، والطاعة والاتباع موزعين كذلك بين الآلهة وبين الله.

بل حقيقة الأمر أنه على الرغم من التسليم النظري لدى أولئك المشركين بأن الله هو"رب الأرباب"، أو بلغة الوثنية اليونانية هو"كبير الآلهة".. إلا أنه في السلوك الواقعي كان الولاء والطاعة لهذه الآلهة أكبر من الولاء والطاعة لله، هذا إن بقيت ثمة طاعة لله من أي نوع بعد هذا الشرك القائم في الاعتقاد والسلوك:

"وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ" [1] .

وبصرف النظر عن تعليلهم هم لهذا السلوك بأن الله أغنى من الشركاء فلا بأس من تحويل نصيبه إليهم!! فإنه من الواضح أن الولاء الحقيقي -والخوف الحقيقي كذلك- موجه لأولئك الشركاء أكثر مما هو موجه إلى الله. وذلك ما يحدث دائمًا في قلب المشرك، حتى ولو أقر بذهنه أن الله هو رب الأرباب! فليس الذهن هو الذي يقرر القضية بقدر ما يقررها الوجدان!

وبناء على هذا التصور المنحرف، وما يصاحبه من توزيع الولاء -بنسب شتى- بين الله والآلهة، فإن البشر يحرمون ويحلون، ويستقبحون ويستحسنون، ويمنعون ويبيحون بما يمليه عليهم هوى أنفسهم -أو هوى السادة المتحكمين فيهم- بما يخالف ما قرره الله من حلال وحرام، وحسن وقبيح. ومباح وممنوع .. ومن ثم يتحول التصور إلى سلوك، وتؤدي العقيدة المنحرفة -دائمًا -إلى الحكم بغير ما أنزل الله، واتباع غير منهج الله.

وإذا كانت القضية الأولى في القرآن كله هي بيان العقيدة الصحيحة، أي بيان المعنى الحقيقي للا إله إلا الله، في الاعتقاد والاتباع، أي في التصور وفي السلوك، فقد كان أمرًا طبيعيًا أن تعرض السور المكية لما كان قائمًا من انحرافات التصور في الوثنية العربية الجاهلية، وما يتبعها كذلك من انحرافات في السلوك.

(1) سورة الأنعام: 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت