الصفحة 41 من 379

"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [1] .

ولا تتم العبادة إلا بالطاعة .. ولا تتم الطاعة حتى تتمثل في عمل وسلوك لا في المشاعر فحسب ..

ولم تكن في العهد المكي الذي استغرقه كله الحديث عن العقيدة، ومعظمه في الحديث عن الإيمان بالله .. لم تكن هناك"تكاليف"بالمعنى الذي جاء فيما بعد في العهد المدني، سواء التكاليف (فيما عدا الصلاة) أو التكاليف التشريعية والتنظيمية أو الجهاد بالأنفس والأموال .. ولكن كان هذا الإعداد النفسي والروحي لهذه التكاليف .. كان الوصول بالبذرة الإيمانية إلى مرحلة التسليم لله والطاعة لله .. الطاعة من حيث المبدأ .. الطاعة في الكبيرة كالصغيرة .. الطاعة حبًا لله .. وخشية لله .. وعبادة الله ..

وحين تمت تربية هذه القلوب على الطاعة لله، وعلم الله منها صدقها وتجردها .. جاءت التكاليف .. فجاءت على قلوب قد استعدت لها من قبل .. فلم يكن هناك جهد في الطاعة، حتى وإن كانت التكاليف مجهدة كالصوم والقتال، ولقد احتاجت بعض التكاليف إلى مجاهدة النفس ولا شك، ولكن لتقوى على التكليف ذاته لا لتقرير مبدأ الطاعة الذي كان قد تقرر من قبل واستقر في هذه القلوب!

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" [2] .

"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" [3] .

"أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ" [4] .

وهكذا .. وهكذا .. كانت بعض هذه التكاليف في حاجة إلى المجاهدة المستمرة لتقوى النفوس عليها، ولكن مبدأ الطاعة لم يكن موضع مراجعة من المؤمنين، حتى وهم ينكلون أحيانًا عن التكليف، ويتلقون على ذلك النذير:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا ..." [5] .

"قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [6] .

(1) سورة الذاريات: 56.

(2) سورة البقرة: 183.

(3) سورة البقرة: 216.

(4) سورة التوبة: 13.

(5) سورة التوبة: 38 - 39.

(6) سورة التوبة: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت