الصفحة 40 من 379

والقرآن يوثّق هذا الإيمان في القلب بأن يربط ذلك القلب بالله في جميع أحواله .. لأنه يربط الأحوال كلها والوجود كله بالله .. والقلب البشري -في أي حالة من حالاته وفي أي لحظة من لحظاته- لا بد أن يكون مرتبطًا بشيء ما في هذا الحياة، وشيء ما في ذلك الوجود! فإذا كانت الحياة كلها والوجود كله مرتبطًا في كل لحظة وفي كل حال بالله، فقد ارتبط القلب البشري بالله عن ذلك الطريق: خوفًا أو طمعًا .. رجاء أو خشية ..

فالمولد والممات بيد الله ..

والرزق بيد الله .. سواء كان الرزق مالًا أو جاهًا أو صحة أو أبناء أو أي لون من ألوان الرزق .. كلها بيد الله ..

والأحداث الجارية بالنفع والضر كلها بيد الله ..

والغيب المغلف بالأستار متعلق بعلم الله .. لأنه من صنع الله ..

هذا كله في الدنيا ..

ثم البعث والحساب بيد الله ..

والثواب والعقاب بيد الله ..

فأي شيء يمكن أن يتعلق به القلب البشري في أية لحظة من لحظاته ليس بيد الله؟

وأي لحظة من لحظات هذا القلب في الدنيا أو الآخرة خارجة عن علم الله أو عن ملكوت الله وتدبير الله؟

ومن ثم يعيش القلب البشري في هذا القرآن حياته كلها مع الله، حين يطمع وحين يخاف. حين يرجو وحين يخشى. حين يحب وحين يكره. حين يكون في واقعه وحين يكون في خياله. حين يعيش في دائرة الحس وحين يستشرف ما وراءه الحس. حين يكون وحده وحين يكون في الجماعة. حين يؤدي شعائر التعبد وحين يكدح في فجاج الأرض.

وتلك هي"بذرة الإيمان"التي يبذرها القرآن في القلب لتؤتى ثمارها على الطريق .. طريق الإيمان!

هذه البذرة التي يتعهدها وينميها بالمزيد من التوقيعات على أوتار القلب .. من لفت الحس البشري إلى ضخامة الكون الهائلة. إلى دقته المعجزة، إلى الإحياء والإماتة، إلى الأحداث الجارية وما وراءها من تدبير .. إلى بيان قدرة الله التي لا يعجزها شيء في السماوات ولا في الأرض .. إلى علم الغيب ...

هذه البذرة تنمو بالتعهد الدائم لها فتتكون منها نبتة ذات ثمار ..

تتكون منها عبادة لله .. وطاعة لله ..

إن مقتضى شعور القلب البشري الحق بألوهية الله وربوبيته أن يشعر بالعبودية الحقة لذلك الإله الذي عرفه على حقيقته، وعرفه في جميع صفاته .. فتكون العبودية الحقة مقابل الألوهية الحقة والربوبية الحقة ..

ويشعر القلب المؤمن بكرامته كلها في تلك العبودية الحقة لله .. وبمقدار ما يخضع ذاته لذات الله، ويسلم قياد ذاته لذات الله يكون أنسه وبشره وفرحه وانطلاقه وشعوره بالرضا .. وشعوره بالوجود! لأنه بكل ذلك يقترب من الله فيشمله النور الرباني فيتغلغل في ذرات كيانه .. فيحس بحقيقة الحياة ..

ولكن هذه المشاعر .. مشاعر العبودية .. والأنس بها والفرح والرضا والانطلاق، ليست هي الغاية الأخيرة ولا القرار الأخير [1] .

لا بد من الطاعة لله .. وتلك هي الثمرة .. ثمرة العبادة لله، والإيمان بالله ..

الطاعة لله في ما أمر به وما نهى عنه من أمر ..

الطاعة في التكاليف"التعبدية"كالتكاليف"التشريعية"كتكاليف"الجهاد"في الأرض .. كلها سواء ..

وبغير هذه الطاعة تظل المشاعر معلقة لا وزن لها في واقع الأرض .. وتظل"العبادة"كذلك غير محققة في واقع الأمر!

(1) عند هذه الغاية تقف معظم خطوات الصوفية! وهم يصلون في هذا الطريق، طريق"تربية الروح"إلى مجالات شفافة رائقة مضيئة جميلة ولا شك. ولكن الطريق في حقيقته لا ينتهي عند هذه الغاية ما لم يصحبها"العمل"الذي يترجم هذه المشاعر إلى واقع سلوكي في كل مجالات الحياة التي أمر بها الله، وإلا فسيظل كل هذا الجمال الروحي قاصرًا عن بلوغ الغاية من العبادة:"كلا! لما يقض ما أمره"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت