الصفحة 39 من 379

وكذلك ظل القرآن يصنع في قلوب الأجيال المتتالية خلال أربعة عشر قرنًا .. وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، يبعث ذات الهزة في وجدان الذين يتلونه ببصيرة متفتحة:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" [1] .

ولكن القرآن، وهو يوقع على أوتار القلب الفطرية تلك التوقيعات المؤثرة العميقة، بعد أن يزيل عنها"الران"الذي علق بها من آثار تبلد الحس .. لا يصنع ذلك من أجل تكوين"معلومات"جديدة عن الله سبحانه .. إنما من أجل"الإيمان بالله".. وفرق هائل بين إنشاء معلومات عن أية قضية من القضايا وبين الإيمان بتلك القضية ..

إن"المعلومات"مهما كانت حية في حينها، جديدة ولامعة، لا بد أن ينطفئ لمعانها بعد فترة، وتنطمس معالمها .. فتموت! ولا تعود تعطي ذلك الإشعاع المشرق الذي يمكن أن تعطيه في مبدأ الأمر. فضلًا على أنها عرضة -دائمًا- أن تنحصر في محيط الذهن، فتصبح قضايا ذهنية لا علاقة لها بالواقع .. يدور الذهن فيها ويدور .. ثم يخرج من الدورة حيث كان! ويظل السلوك البشري سائرًا في طريقه لا يتأثر بتلك القضايا الذهنية ولا يتغير ..

ولكن"الإيمان"شيء آخر مختلف تمامًا .. إنه يستند إلى تلك المعلومات .. نعم .. ولكن يستند إليها لينطلق منها، لا ليبقى جاثمًا عندها ولا منحصرًا فيها ..

الإيمان حركة ..

الإيمان طاقة ..

حركة تجيش في القلب فتحركه بوجدانات شتى، وتبعث فيه انفعالات حية متدافعة لا تسكن ولا تهمد .. ولاتموت.

وطقة تتفجر في محيط النفس كلها فتحرك منها أدق ذراتها، فتُلْمَسُ آثارها في داخل النفس وفي خارجها .. عملًا وسلوكًا .. وأفكارًا ومشاعر .. كمل تُلمس آثار الطاقة المغنطيسية والكهربية .. في الآلة الدائرة والمصباح المنير ..

والذي كان القرآن ينشئه في القلوب هو الإيمان بالله، وليس مجرد المعرفة الذهنية بالله .. والذين يعرفون الله على طريقة الإيمان هم الذين يسميهم القرآن:"الذين يعلمون"ويصفهم بأنهم"أولو الألباب":

"أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ..." [2] .

وهكذا يتحول"العلم"بأن ما أنزل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ربه هو الحق إلى عمل وسلوك ومشاعر، لأنه يتحول من"معلومات"إلى"إيمان".

هذا"الإيمان"بالله هو الموضوع الرئيسي في القرآن كله. وهو بطبيعة الحال الموضوع الرئيسي في العقيدة ..

وحين كان القرآن في العهد المكي يتنزل خلال ثلاثة عشر عامًا من الزمان لا يتحدث إلا في العقيدة، كان التركيز الأكبر ولا شك على الإيمان بالله، لأنه هو الركن الأول والأكبر في العقيدة، ثم في بناء الإسلام كله فيما بعد .. في التنظيمات والتشريعات والتوجيهات ...

(1) سورة ق: 37.

(2) سورة الرعد: 19 - 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت