الصفحة 38 من 379

وهذه في ذاتها حقيقة! فأي سلطان كان للشيطان عليهم؟! هل هو قد أمسك بتلابيبهم وأكرههم على عمل من الأعمال؟ إنما هو أغواهم فقبلوا الغواية! فليتحملوا تبعة عملهم كما يقول لهم:

"فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم".

ولكن هل تخلى هو عن شيطنته وصار يقول الحق من أجل الحق؟ كلا! إنما يقوله لإيلامهم وليزداد شماتة فيهم!

"مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ".

حقيقة! فلن يستطيع أحدهما بالفعل أن ينجد الآخر أو ينقذه من العذاب .. ولكنه يقولها لهم بكل شيطنة الشيطان! فهو الذي أوقعهم بالغواية والخديعة والمكر، واليوم يسحب نفسه من الموقف كأنه لم يصنع شيئًا على الإطلاق، بل يزيدهم دهشة وألمًا وحسرة حين يتخلى تمامًا عن كل كلامه السابق:

"إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ".

وليته يتخلى فقط! بل هو يلقى التبعة عليهم بما هو"بريء"منه! فهم الذين أشركوا به! وهو يتبرأ الآن من ذلك!

ثم نختتم الآية بهذه العبارة:"إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". وسواء كانت تكملة لكلام الشيطان من قبل، زيادة منه في إيلامهم وإغاظتهم في الموقف الحرج، أو كانت من كلام رب العالمين تعقيبًا على الموقف كله، فهي الحقيقة النهائية التي تحسم الموقف كله بالنسبة لأولئك الظالمين ..

وفي الوقت الذي ينال فيه الظالمون جزاءهم من العذاب الأليم، يكون للمؤمنين جزاؤهم في اتجاه آخر:

"وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ..".

والتعبير هنا يجمل القول بالنسبة للمؤمنين، ويجمعه كله في آية واحدة، قصيرة نسبيًا، معدودة الكلمات .. ولكنه في الحقيقة يأخذ مساحة أكبر في الحس، بمقدار ما كان طول العرض بالنسبة للكافرين! لأن الإنسان -بوعي"فني"منه أو بغير وعي- يعقد مقارنة كاملة بين الموقفين، بمقدار ما أخذ الموقف الأول المطول من مشاعره، وهو يتتبع الحوار المؤلم بين الضعفاء والذين استكبروا، وبينهم جميعًا وبين الشيطان، فإن الموقف الآخر المقابل -وإن اختصرت كلماته- يأخذ مساحة مساوية، تبعث في النفس الراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة، وخاصة حين تجيء الخاتمة:

"تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ"!

وذلك من روائع الطريقة القرآنية في التعبير وفي التصوير.

بهذه الطريقة الفذة يعالج القرآن الواقع المشهود، والماضي الذي مرّ، والمستقبل المنظور. وبهذه الطريقة ينفذ إلى القلب البشري من جميع منافذه فيستولي عليه ..

ولقد صنع القرآن ذلك في قلوب الذين تلقوه أول مرة .. سواء منهم من أسلم وجهه لله وآمن، ومن كابر وجحد:"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ" [1] كالوليد بن المغيرة الذي نزل في حقه هذه الآيات:

"ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ..." [2] .

(1) سورة النمل: 14.

(2) سورة المدثر: 11 - 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت