"وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ" [1] .
هذا مشهد آخر من مشاهد القيامة يصف موقف طائفة من الناس كانوا مستضعفين في الدنيا، يطيعون سادتهم وكبراءهم في المخالفة عن أمر الله، وتبدو أوامر سادتهم في حسهم أثقل من أوامر الله، كأنما يتوهمون أنهم في حِميّ من سادتهم هؤلاء لا يستطيع أحد أن يطولهم أو يمتد إليهم بمكروه!
ثم هم أولاء في الآخرة وقد برز الناس جميعًا لربهم. والتعبير يصور الناس وقد قاموا من قبورهم لملاقاة الله فلا يقول: جاءوا .. أو نهضوا .. وإنما يقول"برزوا"وهي لفظة يبدو فيها الجهد من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم إمكان استخفائهم، فهم جميعًا"بارزون"أرادوا أو لم يريدوا! بما يتضمنه ذلك من بروز ما في داخل أنفسهم كذلك وعدم إمكان استخفائه على الله:"وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا"!
ثم ها هم أولاء الضعفاء وقد رأوا الهول المذهل يتوجهون لكبرائهم -بحكم العادة! - يحاولون الانطواء فيهم والاحتماء بهم:
"فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ"؟!
وفي موقف الضيق الذي لا يستطيع فيه هؤلاء الكبراء أن ينقذوا أنفسهم فضلًا عن غيرهم تأتي إجابتهم للضعفاء ضيقة مريرة:"لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ"!
ثم يجيء تعقيب ساخر منهم، يشملون فيه بالسخرية أنفسهم وأتباعهم في آن واحد:"سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ".
ويبدو الموقف منتهيًا عند هذا الحد بين الضعفاء والذين استكبروا، وقد شملهم الخزي جميعًا والمهانة واليأس والضيق، وعلموا أنهم لا محيص لهم من العذاب ..
ولكن عنصرًا جديدًا يبرز في الموقف يفجؤهم جميعًا! إنه الشيطان الذي أغوى هؤلاء وهؤلاء في الدنيا. أغوى"السادة"فأمرهم بمعصية الله وكفره، وأغوى الضعفاء بطاعة السادة فيما يأمرونهم به من كفر بالله.
إن هنا"يبرز"لهم من حيث لم يحتسبوا، في الموقف الذي يبرز فيه كل شيء، ويفاجئهم بمقالة تزيدهم حسرة على حسرات:
"وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ"!
هكذا! وفي هذه اللحظة بعد فوات الأوان يكشف لهم عن هذه الحقيقة، حيث لا مجال للتوبة ولا للعودة من جديد!
ويمضي الشيطان في"شيطنته"إلى آخر المدى، فيقف يعظهم! حيث لا يزيد وعظه نفوسهم إلا ألمًا وحزنًا وحسرة!
"وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي".
(1) سورة إبراهيم: 21 - 23.