الصفحة 36 من 379

إن الخيال ليحاول أن يرسم الصورة، وأن يتخيل اليد الجبارة التي يمكن أن تحدث هذه الدكة الهائلة، ولكنه لن يستطيع ذلك إلا بجهد، فإن أقصى المعهود -في عالم البشر- أن يتمكن الإنسان من حمل بضع عشرات من الكيلو جرامات، أو بضع مئات. والقرآن يقول:"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [1] .

ونعود إلى سياق الآيات من سورة الحاقة.

ماذا يحدث إذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة؟ ماذا بعد هذا الدويّ المفزع والدمار الشامل المرعب للوجدان؟!

"فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ"!

ويكفي هذا البيان المختصر بعد ما كان من تلك المقدمات!

ولكن الهول ليس في الأرض وحدها، فهو شامل للكون كله بما في ذلك السماء التي انشقت وتهاوت:

"وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ".

ثم إن الرهبة تحيط بالموقف من كل جانب:

"وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ".

وماذا يحدث عندئذ، في هذا الهول الشامل، والرهبة الرهية التي تقطع الأنفاس، والتي تصفها سورة طه:"وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا" [2] "وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ" [3] ..

"يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ"!

ترى أي الهولين أشق على النفس؟! هول المشهد الرهيب من خارج؟ أم هول العرض الذي تنكشف فيه خبايا النفوس فلا يملك أصحابها أن يخفوا شيئًا مما بداخلها، أو يكتموا دليلًا واحدًا يدينها أمام بارئها؟!

إن انكشاف الإنسان في أمر واحد من أمور الدنيا يحاول إخفاءه ليحدث في نفسه رجة عنيفة ويهزها هزًا .. وهو انكشاف أمام بشر مثله .. فكيف بالانكشاف أمام الله .. وفي الموقف الذي يترتب عليه كل شيء .. فإما إلى الجنة وإما إلى النار؟!

وتجيء بعد ذلك صورتان متقابلتان: صورة المؤمن الذي تجاوز الخطر وأدخل النعيم والكافر الذي وقع في الخطر فزج به إلى النار .. كلتاهما صورة حية شاخصة حافلة بالحركة والحياة. المؤمن -في فرحته- يقول: هاؤم اقرأوا كتابيه! ثم إذا هو في الجنة العالية ذات القطوف الدانية يتمتع بذلك النعيم. والكافر -في هلعه وندمه الذي لا يغني- يقول: يا ليتني لم أوت كتابيه! ثم يقف يولول على ما فاته وما صار إليه، وتطول ولولته لحظة .. ثم إذا أمر صادر من أعلى، يقطع عليه ولولته فجأة:"خُذُوهُ فَغُلُّوهُ"! وعندئذ يؤخذ أخذا فيقذف به إلى النار!

(1) سورة الزمر: 67.

(2) سورة طه: 108.

(3) سورة طه: 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت