الصفحة 35 من 379

والنعم التي أنعمها الله على الرسل والأنبياء المذكورين في السورة كالإنعام بالولد على زكريا في كبرته وامرأته عاقر (وهو يدخل في باب المعجزة كذلك) والإنعام على مريم بحمل واحد من الرسل المكرمين (وهو داخل في باب المعجزة كما أسلفنا) والإنعام على إبراهيم في كبرته كذلك بإسحاق وبرؤية يعقوب بن إسحاق في حياته، وجعلهما كليهما نبيين، والإنعام على موسى بمناجاة ربه له في جانب الطور الأيمن وإرسال هرون معه نبيًا، والإنعام على إسماعيل بالرسالة وبالمقام المرضيّ عند الله، والإنعام على إدريس بالمكانة العالية .. كل هذه النعم تسرد كذلك في مقام تعريف الناس بربهم: أنه هو المنعم الوهاب.

وأخيرًا يجيء موقف هذه الطائفة المصطفاة من عباد الله، كيف كانوا يقفون في مقام العبودية الحقة لله:"إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا"وكيف خلف من بعدهم خَلْفٌ خرجوا على مقام العبودية واتبعاو الشهوات، وتختتم الآيات ببيان مصير هؤلاء يوم القيامة، ومصير من يتبع الحق ويتوب إلى الله.

وهكذا نجد هذا العرض الأخاذ في القصة سائرًا كله في خدمة القضية الكبرى .. قضية التعريف بالله.

وكما يتحدث الكتاب عن أحداث الماضي فيبث فيها هذه الحيوية المبدعة يتحدث كذلك عن أحداث المستقبل.

"فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَاكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ" [1] .

ذلك مشهد من مشاهد القيامة الكثيرة في القرآن .. يبدأ بنفخة الصور يجيء بعدها حمل الأرض والجبال ودكها دكّة واحدة فإذا هي تصبح بهذه الدكة الواحدة"قاعًا صفصفا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمنًا"كما جاء في سورة طه [2] . ويُتْرك الخيال أن يتصور القبضة الهائلة التي تحمل الأرض بما عليها من الجبال فتدكها دكة واحدة فتسوى أعلاها بأسفلها! كما يترك للخيال كذلك أن يتصور مدى الدويّ الذي تحدثه هذه الدكة الجبارة، ومدى الغبار الذي تثيره في الفضاء!

إن منظر انهيار بيت واحد أو جدار واحد من بيت ليثير الفزع في النفوس، سواء بالدويّ الذي يحدثه، أو الغبار الذي يثيره، أو بحركة الانهيار ذاتها، وهي حركة مفزعة لكل الكائنات الحية على السواء! فما بالك بجبل كامل ينهار! أو ما بالك بجبال الأرض كلها تنهار في لحظة واحدة على غير انتظار؟!

(1) سورة الحاقة: 13 - 37.

(2) سورة طه: 106 - 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت