الصفحة 34 من 379

إنها -هنا- تجيء في معرضين متداخلين متكاملين [1] .

فهي من ناحية قصة قائمة بذاتها تَرِدُ ردًا على قول النصارى إن عيسى ابن الله، حيث يجيء التعقيب عليها هكذا:

"ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ، فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَاتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" [2] .

وهي من هنا تتعلق تعلقًا مباشرًا بقضية الألوهية وبيان حقيقة الوحدانية، وحقيقة وضع البشر جميعًا بما فيهم عيسى عليه السلام: أنهم كلهم عبيد الله، وما ينبغي لهم أن يكونوا غير ذلك. فعيسى يجيء على لسانه:"إني عبد الله". والتعقيب يجيء فيه:"مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ".

ثم هي -من ناحية أخرى- تجيء ضمن مجموعة من قصص الأنبياء من الذين أنعم الله عليهم نعمًا كبيرة ظاهرة، منها نعمة الاصطفاء بالرسالة والوحي، ونعمة المعجزات التي أيدهم الله بها لتكون عونًا لهم في أداء الرسالة، بالإضافة إلى نعمه المباركة لهم في الأهل والذرية، ورفع مكانتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وتبدأ السورة بذكر زكريا:"كهيعص، ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا .."ثم تتوالى القصص بعد قصة زكريا مبدوءة بقوله تعالى:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ .."فيجيء على التوالي:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ..""وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ..""وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى ..""وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ..""وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ..".

ثم يجيء التعقيب الأخير عليها جميعًا:"أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا .." [3] .

وهو سياق متصل بقضية الألوهية كذلك من أكثر من جانب.

فالمعجزات -وأبرزها هنا خلق عيسى بغير أب- هي من آيات القدرة الربانية، التي تجيء في القرآن في سياق تعريف الناس بربهم: أنه هو القادر سبحانه، الذي لا تقف قدرته عند حد، والذي لا يعجزه شيء في الكون، لأنه يقول للشيء كن فيكون.

(1) تحدثنا في مكان آخر من هذا الفصل عن الأغراض التي يجيء القصص من أجلها في القرآن.

(2) سورة مريم: 34 - 40.

(3) سورة مريم: 58 - 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت