الصفحة 33 من 379

فها هي ذي اللقطة الأولى تصور مريم العذراء البتول في خلوتها، وبينها وبين أهلها حجاب يمنع دخول أحد إليها، وهي المعروفة منذ طفولتها بالتبتل والانقطاع للعبادة، إذ نذرتها أمها للمعبد كما جاء في سورة آل عمران:"إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" [1] .

وفي خلوتها تلك الآمنة الطاهرة يفجؤها وجود رجل لا تعرفه، ولا ينبغي له بحال أن يوجد في مكانها هذا وعلى حالها التي كانت عليها في خلوتها! ويُتْرَك للخيال أن يتصور فزعها من المفاجأة المذهلة أولًا، وفزعها من وجود رجل معها في خلوتها ثانيًا وهي العفيفة التقية الطاهرة. وحين تلتقط أنفاسها من هذا الفزع وذاك، تلتفت إلى هذا الرجل الغريب تستنجد بتقواه، وتذكّره بالله لعله يتركها في خلوتها وينصرف دون أن يمسها بسوء. ولكنه يفاجئها بمفاجأة أكبر من الأولى وأشق! إنه يحدد مهمته، فكأنها هي ذات الشيء الذي كانت تحذره فيما بينها وبين نفسها وتخشاه! إنه جاء ليهب لها غلامًا! وعندئذ لا تجد مفرًا من المواجهة الصريحة بالعبارة الصريحة فقد انكسر حاجز الحياء ولم يعد في إمكانها أن تتستر به بعد أن اقتحمه عليها هذا الرجل الغريب. وعندئذ يبيّن لها مهمته كاملة، ويشرح لها الأمر الرباني الذي هو مكلف به، ودورها في حمل هذا النبي الذي سيكون رحمة للناس وآية ..

ثم تجيء فجوة في السياق يملؤها الخيال ..

مشاعرها المختلفة المتداخلة. الفزع الذي يهدأ تدريجيًا وتحل محله الطمأنينة إلى قدر الله، والخوف مع ذلك من نتائج هذا القدر المنظورة، من مواجهة أهلها بغلام تحمله من غير زواج معلن معروف!

وتستمر الفجوة حتى يفجأها المخاض، ويفجؤنا نحن مشهدها في حالة المخاض!

ومرة أخرى تواجه الفزع .. وحيدة بغير تجربة .. يلجئها الألم إلى جذع النخلة، لا تدري ماذا تصنع بغير معين، ويستولي عليها الخوف من المواجهة والفضيحة المتوقعة .. كل ذلك في آن واحد، فتتمنى أن لو كانت ذهبت من الوجود وصارت نسيًا منسيًا ..

ومرة أخرى تنزل عليها الطمأنينة من عند الله، يناديها جبريل (أو عيسى عليه السلام) ألا تخافي ولا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا .. فهذا هو الماء تشرب منه وتغتسل به، وهذا هو الرطب يتساقط، وهذا هو الأنس بالمتكلم إليها يسري عنها ويزيل عنها جزعها ووحشتها.

وتمر فجوة أخرى تجيء بعدها مفاجأة المواجهة .. وإن كنا نرى مريم هنا -كما نتوقع- ثابتة الجنان وقد اطمأنت إلى رحمة الله وآياته السابقة معها، فلم تعد تخاف.

وينتهي المشهد بالمفاجأة الأخيرة في الموقف .. الطفل الوليد يتكلم ويقول:"إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا ...".

هذه الطريقة في العرض التي تجمع بين الحوار والسرد، وترسم اللقطات البارزة وتترك الفجوات للخيال، تعطي القصة كلها حيوية واضحة، وتجعل أثرها في المشاعر عميقًا لا يزول.

ولكن فيم كانت القصة التي يبلغ تأثيرها في الوجدان هذه الأعماق؟

(1) سورة آل عمران: 35 - 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت