الصفحة 42 من 379

وهكذا كانت التربية القرآنية على الإيمان بالله .. التي بدأت بقوله تعالى"اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ .." [1] ثم طوقت بالقلب البشري في مجالات الكون الواسع الفسيح .. في السماوات والأرض والأفلاك .. في المطر النازل من السماء ليحيي الأرض بعد موتها .. في النبات المختلف الألوان والأشكال والمذاق .. في الليل والنهار .. والقمر والنجوم .. في أطوار الخلق من النطفة والعلقة والمضغة .. في علم الله الشامل الذي يعلم الحبة في ظلمات البر والبحر، والورقة الساقطة من غصنها والثمرة المتفتحة في كمها .. في تدبير الله المحكم .. في بسط الرزق وقبضه .. في الإنسان وعجائب خلقه .. في تأييد الرسل بالمعجزات ونصرهم على الكذبين .. في كل ما حول الإنسان مما يقع بصره عليه وما لا يستطيع أن يراه .. طوفت به في تلك المجالات كلها ليرى الله أمامه في كل شيء، ومعه في كل لحظة، ورقيبًا عليه في كل عمل أو فكر أو هاجسة أخفى من السر .. ثم لنقول له إن هذا الإله القادر هو الذي سيحاسبه يوم القيامة وليس من لقائه مفر، ولا من حسابه مفر .. وأن له على خلقه الذي خلقه حق العبودية وحق الطاعة له وحده دون شريك .. لأنه هو الله الواحد الذي ليس له شريك ..

تلك هي الثمرة ..

توحيد الألوهية والربوبية .. لتوحيد الطاعة وتوحيد العبودية ..

إله واحد .. ومعبود واحد ..

لا إله إلا الله .. أي لا معبود إلا الله .. ولا طاعة إلا لله .. وإلا فهي عبادة الشيطان، وطاعة الشيطان ..

وذلك هو المعنى الحقيقي للا إله إلا الله، الذي كان القرآن في العهد المكي كله يتنزل لتثبيته في القلب وترسيخه وتوثيقه .. لأنه المعنى الذي تقوم عليه الحياة الإيمانية كلها: فلا تعبد إلا الله في عقيدة القلب، ولا تعبد إلا الله في شعائر التعبد، ولا تعبد إلا الله في التشريعات التنظيمات التي تنظم علاقات البشر بعضهم ببعض ..

وما كان هذا الجهد كله الذي بذل في العهد المكي -واستمر في العهد المدني-ليعلم الناس أن هناك إلهًا، فهم يعرفون ذلك بالفطرة بلا كتاب ولا رسول، ولا ليعبدوا ذلك الإله بأي نوع من أنواع العبادة، فهم يقومون بذلك من تلقاء أنفسهم!

إنما كان ليعلموا أنه إله واحد لا شريك له، فيعبدوه وحده بلا شريك .. ويعبدوه كما أمرهم سبحانه أن يعبدوه .. لا على هوى أنفسهم ثم يزعمون أنهم عبّاد .. ومخلصون!

"اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ" [2] . فالعبادة الطاعة .. والطاعة اتباع ما أنزل الله ..

(1) سورة العلق: 1 - 5.

(2) سورة الأعراف: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت