ولكن هؤلاء الذين تشير إليهم الآية -وأمثالهم في البشرية منذ أربعة عشر قرنًا- لا يتدبرونه بغير شك. إنما يقرأونه -إن قرأوه- بقلوب مريضة وعقول مطموسة فلا يتبين له ما فيه من الحق الذي لا اختلاف فيه.
ثم يعرج السياق على طائفة أخرى من طوائف المجتمع المسلم قد لا تكون منافقة بالضرورة ولا ضعيفة الإيمان، ولكنها بغير شك ضعيفة"التنظيم"غير محكمة الالتزام:
"وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا".
هذه الفئة ضعيفة الركيزة من الناحية التنظيمية. فإذا سمعوا إشاعة مطمئنة أو مزعجة أذاعوا بها- أي نشروها- فقد تثبت ولا تحفظ، ودون تدبر لآثار إطلاق هذه الإشاعة في الصف المسلم. فقد تكون الإشاعة المطمئنة -على غير حقيقة- ضارة بتماسك الصف كالإشاعة المزعجة سواء. فتصور قومًا على أهبة الاستعداد للقاء العدو، جئت إليهم فقلت لهم إن العدو قد انصرف ولم يعد هناك احتمال للقتال. فماذا تفعل هذه الكلمة في نفوسهم؟ لا شك أن كثيرًا منهم ستتراخى عضلاته وأعصابه، ويُلقى عنه حالة التأهب التي كان عليها، وقليل هم الذين سيظلون على حالهم من التأهب والعزم. فحين تكون هذه الكلمة في نفوسهم؟ لا شك أن كثيرًا منهم ستتراخى عضلاته وأعصابه، ويُلقى عنه حالة التأهب التي كان عليها، وقليل هم الذين سيظلون على حالهم من التأهب والعزم. فحين تكون تلك إشاعة لا رصيد لها من الواقع فكم تفعل من الضرر إذا فاجأهم العدو بعد ذلك على غرة؟
وكذلك الإشاعة التي تهول في تقدير الخطر بأكثر من حقيقته؛ إنها تنشر التخاذل في الصف .. فليس كل الناس من أولي العزم!
وقد تكون هذه الفئة من الناس التي تسارع في إذاعة الأخبار حسنة النية فيما تفعل، لا تقصد الإساءة ولا إشاعة الخلخلة والاضطراب في الصف. ولكنها تؤدي إلى هذه النتيجة بالفعل وإن لم تقصد. ولو أنهم بدلًا من استنباط الخبر -أي بذل الجهد في الحصول عليه ردوه إلى قيادتهم- إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- في حياته وإلى أولي الأمر منهم- لعلموه، أي لعرفوا حقيقته، دون حاجة إلى الاستنباط، ودون وقوع في الإشاعات. ولكانوا حينئذ أضبط تنظيمًا وأجدر بأن يكونوا أعضاء نافعين في المجتمع الإسلامي.
"وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا".
فرعاية الله للصف المسلم هي وحدها التي تحول دون حدوث الآثار الضارة التي يمكن أن تحدث من هذا الاختلال، كما أنها هي التي تحول دون زيغ المسلمين عن دينهم الحق واتباع الشيطان.
وإلى هنا ينتهي الحديث عن تلك الطوائف الزائغة في المجتمع، ويلفت النظر أن السياق يتحدث عنها متلاحقة كأنها طائفة واحدة قد صدرت عنها كل هذه المخالفات! فهو لا يقول: منهم من يقول كذا، ومنهم من يفعل كذا ... إنما يتتابع الحديث عنهم هكذا:
"وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ""وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ ..""وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ...""وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ..".