إن بشرًا في الأرض كلها لا يتأتى له أن يخرج كتابًا كهذا الكتاب، المعجز على جميع المستويات وفي جميع الاتجاهات. والذين يتعرضون للتأليف هم أدرى بهذه الحقيقة، كما كان العرب العالمون بأسرار البلاغة أدرى بحقيقة الإعجاز البلاغي للقرآن.
والآية تقرر أنه لو كان القرآن من عند غير الله -أي من صنع البشر- لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. وأول ما يرد على الذهن بشأن"الاختلاف"هو التناقض. وواضح أن القرآن لا يحوي اختلافًا بهذا المعنى. فوجهته موحدة وواضحة. وجهته هي بيان قضية الألوهية للناس، لكي يعبدوا الله وحده دون شريك.
ولكن الاختلاف في الحقيقة أوسع من التناقض. إنه يمكن أن يمتد إلى جميع المستويات بلا استثناء. وهنا يتبدى إعجاز القرآن على ذات المستوى الذي يتبدى به الإعجاز البلاغي .. بلا اختلاف!
إن القرآن في المقام الأول كتاب تربية وتوجيه. وهو الذي أنشأ هذه الأمة التي وصفها خالقها هذا الوصف:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [1] .
وهو -من هذه الوجهة- يتناول كل ميادين التربية الرئيسية في حياة"الإنسان"على مستوى واحد من توجيه الاهتمام، وعلى مستوى واحد من"الإتقان" [2] والإحكام .. بلا اختلاف!
ففي تربية الروح، وفي تربية العقل، وفي تربية الجسد .. وفي التربية السياسية والاجتماعية والأخلاق .. الخ، تجد ذات الدرجة من الإحكام، كما تجد وحدة التوجيه نحو إنشاء"الإنسان الصالح"على جميع المستويات .. لا اختلاف! على نسق لا مثيل له في مناهج البشر التي تعنى بجانب وتهمل جانبًا آخر، وتركز على جانب على حساب جانب آخر [3] !
والقرآن ينشىء مجتمعًا متوازنًا من أفراد متوازنين، بلا اختلاف في التوجيه بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، على نسق لا مثيل له في كل ما يصنع البشر من نظم ومناهج، تبرز كيان الفرد لتفتت تماسك المجتمع، أو تبرز كيان المجتمع لتسحق كيان الفرد!
والقرآن ينشئ فردًا وجماعة توازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح، وبين الدنيا والآخرة بلا اختلاف! على نسق لا مثيل له في كل"الحضارات"الجاهلية التي تبرز عالم الجسد لتطمس عالم الروح، أو تبرز عالم الروح لتحتقر الجسد وتستقذره وتذله!
وهكذا .. في أي مجال وعلى أي مستوى تدبرت هذا القرآن وجدت أنه يحوي توجيهًا موحدًا .. بلا اختلاف! وعلى درجة معجزة في كل جانب، ثم على درجة أشد إعجازًا في اجتماع كل الجوانب .. وبلا اختلاف فيما بين توجيه لجانب وتوجيه لجانب آخر ..
ولقد قمت بدراسة متواضعة بقدر ما فتح الله علي في"منهج التربية الإسلامية"وفي"دراسات في النفس الإنسانية"وفي"منهج الفن الإسلامي"فأذهلني هذا الإعجاز في كل جانب قمت بدراسته، كما أذهلني اتحاد المستوى -بلا اختلاف- في كل من الموضوعات الثلاثة، وكذلك الوحدة التي تشمل كل موضوع تعرض له القرآن.
وجهدي المتواضع قد تناول جوانب محدودة من القرآن، وكثيرون على مدار التاريخ الإسلامي قد أبرزوا جوانب من عظمة هذا الكتاب المعجز، وما زال المجال مفتوحًا لمزيد من الدراسة في كل اتجاه، فهذا الكتاب هو كما وصفه الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"لا تنفد عجائبه"وما يملك أحد أن"يتدبره"دون أن يرى لونًا من الإعجاز فيه .."وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا".
(1) سورة آل عمران: 100.
(2) "صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"سورة النمل: 88.
(3) انظر -إن شئت- كتاب"منهج التربية الإسلامية".