إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يبلغ عن ربه بالحق، فطاعته هي طاعة لله في الحقيقة، لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر الناس وينهاهم من عند نفسه، ولكن تبليغًا عن الله عز وجل. ذلك هو المحصّل الذهني لمعنى الآية. ولكن التعبير في الآية يعطي معنى نفسيًا عميق التأثير، وهو الإيحاء بالتوقير الشديد للرسول -صلى الله عليه وسلم-، لأن طاعته هي طاعة الله، وطاعته هي الطريق الذي ينال به الإنسان رضوان الله.
"وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا".
إن مهمة الرسول -كل رسول، صلوات الله عليهم جميعًا -هي التبليغ عن الله فحسب، ولا سلطان للرسول -صلى الله عليه وسلم- على قلوب الناس. إنه لا يملك أن يضع الإيمان في قلب أحد، ولا أن يكره أحدًا على الإيمان. فالهداية من اختصاص الله وحده:
"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [1] .
"أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" [2] .
وإن الرسول الحاكم -كما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليملك سلطانًا ينفذ به أحكام الله على الناس، ولكن هذا شيء مختلف تمامًا عن السلطان على القلوب، الذي يجعلها تهتدي إلى الحق. إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يملك أن ينفذ حد الردة على المرتد، ويملك أن يقاتل الكافر. ولكنه لا يملك أن يهدي هذا ولا ذاك ولا يملك ذلك بشر على الإطلاق.
ثم يستمر السياق يتحدث عن هذه الطائفة بعينها أو طائفة أخرى من الطوائف الموجودة داخل الصف المسلم:
"وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا".
قد تكون هذه الطائفة من منافقي اليهود، أو تكون من منافقي العرب المسلمين ظاهرًا كفرقة عبد الله بن أبيّ، ولكنها فرقة منافقة على وجه التأكيد، تتظاهر في حضرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالطاعة، فإذا خرجت من عنده عقدت النية على المخالفة، وتآمرت ضد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وضد الإسلام والمسلمين.
والآية تطمئن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه لن يصيبه من أذاهم شيء، وأنهم آخذون جزاءهم عند الله. فالله يكتب ما يبيتون ويسجله عليهم ليحاسبهم به في الدنيا أو الآخرة أو فيهما جميعًا. ثم يوجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بشأنهم، والتوكل على الله. وكفى به وكيلًا قادرًا على كف أذاهم وحماية الرسول -صلى الله عليه وسلم- منه.
ولكن ما لهؤلاء القوم يصنعون ذلك؟ ما لهم لا يخلصون قلوبهم للإسلام ولرسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم-؟ أهم في شك من رسالته، ومن الكتاب المنزل عليه؟!
"أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا".
نعم! إنهم ولا شك -وكل أمثالهم منذ أربعة عشر قرنًا، سواء كانوا من الكفار الصرحاء أو من المنافقين- لا يتدبرون القرآن! ولو تدبروه بعقول وقلوب مفتوحة لعلموا أنه من عند الله، وأنه لا يمكن أن يكون من عند غير الله!
ولكنهم كما يقول عنهم في سورة القتال:"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [3] .
(1) سورة القصص: 56.
(2) سورة يونس: 99 - 100.
(3) سورة محمد (سورة القتال) : 24.