أما قاعدة القضية هنا فمختلفة. إنها بيان لأسباب ما يصيب الناس من حسنة ومن سيئة (بالمقاييس الربانية هذه المرة لا بمقاييس البشر النفعية) . وهذا البيان يقول إن الله وضع للناس منهجًا للحياة يتحقق به الخير الحقيقي في الدنيا والآخرة. والخير بالمقاييس الربانية قد لا يكون متطابقًا في كل حالة مع النفع في التقدير البشري، كما يقول القرآن:"وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" [1] . فالله العليم الحكيم هو الذي يعلم -على وجه اليقين- أين يكمن الخير وأين يكمن الشر في حياة الفرد والجماعة على السواء، وفي الحياة الدنيا والآخرة على السواء. وبمقتضى علمه ذلك وضع للناس ذلك المنهج الذي يتحقق به خير الدنيا والآخرة. فمن اتبع هذا المنهج فقد وقع له الخير المنزل من عند الله. وأما من خالف وابتعد فقد وقع له الشر (بالمقياس الرباني) في الدنيا والآخرة، ويكون هذا الشر بسبب من عند نفسه، لعدم اتباعه المنهج الرباني الذي يتحقق به الخير. ومن هنا تكون الحسنة -بالمعنى الوارد هنا- من عند الله، وتكون السيئة -بمعناها هنا- من عند الناس، على قاعدة -أخرى لا تختلط بالقاعدة الواردة في الآية السابقة، التي تردّ الأمور كلها إلى مشيئة الله وقدره، ولا تتعارض معها كذلك، لأن من أصابه الخير -بمعنى أنه اهتدى- ومن أصابه الشر -بمعنى أنه ضل- كلاهما واقع في مشيئة الله!
ولا نتعرض هنا لقضية الجبر والاختيار لأنها قضية لا يحلها العقل ولكن يحلها الإيمان! ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"إذا ذكر القدر فأمسكوا" [2] فإنه لا يعلم كيف تسير الأمور في قدر الله بلا تعارض بين مشيئة الله ومسئولية الإنسان إلا الله، أو أحد على مستوى علم الله، والله"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [3] ومن ثم يظل هذا من اختصاص الله سبحانه، تحاول الأفهام إدراكه ولكنها لا تدركه إلا بالإيمان!
والحديث في الآية موجه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ"ولكن المقصود به ليس شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما هو للبشر كافة، يبين لهم أصل القضية، وأن المنهج الرباني منزل من عند الله لخيرهم فإن اهتدوا حصل لهم ذلك الخير، وإن ضلوا -من عند أنفسهم- وقع لهم الشر.
ثم يمضي السياق موجِّهًا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومقصودًا به البيان للناس كافة في ذات الوقت:
".. وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا".
إن مقتضى مشيئة الله أن يتيح للناس الخير ممثلاُ في منهج منزل من عند الله. واقتضت مشيئته كذلك أن تكون الوسيلة لإبلاغ الناس بهذا المنهج هي إرسال الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكأن السياق يقول: يا أيها الناس: أردنا لكم الخير فنزلنا لكم منهجًا يحقق ذلك الخير، وأرسلنا رسولًا يبلغكم إياه، ونحن شهود على إرساله رسولًا إليكم، وكفى بالله شهيدًا.
أما الحديث بعد ذلك فموجّه في أوله إلى الناس مباشرة، وبقيته للرسول -صلى الله عليه وسلم-:
"مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا".
(1) (( سورة البقرة: 216.
(2) أخرجه الطبراني
(3) سورة الشورى: 11.