الصفحة 340 من 379

ولكن ورود الحديث عن الطائفتين -على ترجيح أنهما طائفتان مختلفتان- في سياق آية واحدة له دلالة. فإن الطائفتين تشتركان في سمة واحدة، هي كراهية القتال، واعتباره"سيئة"يتعرضون لها بغير موجب! فأما الطائفة الأولى فتطلب التأجيل فقط! وأما الطائفة الثانية فترى أن ما يتعرضون له من السيئات -وأولها القتال- هو بسبب وجود الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين ظهرانيهم، أو بسبب أوامره وتعليماته وتحركاته!! ولولا ذلك لأراحهم الله من هذه السيئات!

وكما رد على هذه الطائفة -أو مثلها- في سورة آل عمران ببيان الحقيقة الكبرى وراء الأحداث العارضة، وهي قدر الله ومشيئته، فكذلك يرد هنا على هذا الطائفة ببيان الحقيقة الكبرى، لأن المشكلة في الحالين واحدة وإن اختلف الموضوع المباشر الذي أثار المشكلة هنا وهناك. فهناك كان الظن الجاهلي بالله أن ما وقع من القتل في صفوف المسلمين كان سببه عدم الأخذ برأي تلك الطائفة التي رأت البقاء في المدينة حتى يأتي العدو، وعدم الخروج إليه خارج حدود المدينة. فرد عليهم بأن السبب الحقيقي هو قدر الله من وراء الأحداث، وأنهم لو كانوا في بيوتهم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجهم. وهنا كان الظن الجاهلي أن ما يصيبهم من خير (وهو الخير الدنيوي بحسب تقديرهم وتصورهم) فهو سبب وجود الرسول -صلى الله عليه وسلم- بينهم أو بسبب تصرفه في أمر من الأمور! وهنا كذلك يرد عليهم بذات الحقيقة التي رد بها على أمثالهم هناك:"قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا".

إنه لا يحدث في هذا الكون العريض كله إلا ما يقدره الله. فما يصيب الناس من حسنة أو سيئة (سواء بالتقدير الأرضي النفعي، أو بالتقدير الحقيقي الذي يضع الله مقاييسه) هو من عند الله، لا من عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا من عند أي بشر آخر. وتلك حقيقة ينبغي أن تنضج وتستقر في الأفكار والمشاعر لكي يطمئن الإيمان في القلوب، ولكي ينطلق الناس في حياتهم الأرضية الانطلاقة السوية التي يمارسون فيها نشاطهم كله بغير قلق ولا حيرة ولا تخبط.

وإن تلك الحقيقة -كما أسلفنا في عرض سورة آل عمران- لا تمنع البشر من اتخاذ الأسباب، بل إن الإسلام يوجب ذلك على المؤمنين، ولكنها تمنع عنهم القلق الذي يصيبهم حين لا يركنون إلى الله الذي بيده مقاليد كل شيء، وحين ينسبون شيئًا من الأحداث لغير تقدير الله!

والآية تندد بأولئك الذين يظنون هذا الظن الجاهلي وتصمهم بأنهم لا يفقهون شيئًا على الإطلاق:"فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا"ذلك أنه إن غابت عنهم هذه الحقيقة الكبرى فلا شيء يستطيعون إدراكه بعد ذلك.

ولكن الآية التالية تحمل معنى قد يبدو لأول وهلة متعارضًا مع ما قررته هذه الآية، ولا تعارض في الحقيقة:

"مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا".

إن الحقيقة الواردة في هذه الآية ليست هي المقالة التي عابها على أولئك الجاهلين، ولا تتصل بها أي اتصال. إنها حقيقة قائمة على قاعدة أخرى مختلفة.

هناك كانت قاعدة القضية أنهم ينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله وما يصيبهم من الشر إلى شخص الرسول -صلى الله عليه وسلم-، تطيرًا منهم به -عليه الصلاة والسلام-، أو تجريحًا لقيادته، أو تنفيرًا للناس منه، أو كل ذلك في آن واحد .. فصحح لهم قاعدة تفكيرهم بأنه لا يحدث في الكون إلا ما يقدره الله، فكل شيء مما يصيب البشر في الدنيا أو الآخرة مرده تقدير الله ومشيئته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت